فهرس الكتاب
ج / 10 ص -329- وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ أَنَّ الْمُرْسَلَ يُعْتَبَرُ بِهِ، فَلَا يَكُونُ حُجَّةً بِمُجَرَّدِهِ، وَقَدْ قَالَ الرُّويَانِيُّ: إنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ الصَّغِيرِ مِنْ"الْأُمِّ":"وَإِرْسَالُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ عِنْدَنَا حُجَّةٌ"وَقَدْ نَظَرْتُ فِي كِتَابِ الرُّهُونِ الصَّغِيرِ مِنْ الْأُمِّ فَلَمْ أَجِدْ ذَلِكَ صَرِيحًا، وَلَكِنْ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ دَلَالَةً قَوِيَّةً، وَيُمْكِنُ تَأْوِيلُهُ بِتَعَسُّفٍ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ حَدِيثَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لَا يَغْلَقُ1 الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ"ثُمَّ ذَكَرَ مَنْ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ فَقَالَ كَيْفَ قَبِلْتُمْ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ مُنْقَطِعًا وَلَمْ تَقْبَلُوهُ عَنْ غَيْرِهِ؟ فَأَجَابَ فَقَالَ: قُلْنَا: لَا يُحْفَظُ أَنَّ ابْنَ الْمُسَيِّبِ رَوَاهُ مُنْقَطِعًا إلَّا وَجَدْنَا مَا يَدُلُّ عَلَى تَسْدِيدِهِ وَلَا أَثَرَهُ عَنْ أَحَدٍ فِيمَا عَرَفْنَا عَنْهُ إلَّا ثِقَةٌ مَعْرُوفٌ فَمَنْ كَانَ بِمِثْلِ حَالِهِ قَبِلْنَا مُنْقَطِعَهُ، وَرَأَيْنَا غَيْرَهُ يُسَمِّي الْمَجْهُولَ، وَيُسَمِّي مَنْ يَرْغَبْ عَنْ الرِّوَايَةِ عَنْهُ، وَيُرْسِلُ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَعَنْ بَعْضِ مَنْ لَمْ يَلْقَ مِنْ أَصْحَابِهِ الْمُسْتَنْكَرَ الَّذِي لَا يُوجَدُ لَهُ شَيْءٌ يُسَدِّدُهُ فَفَرَّقْنَا بَيْنَهُمْ لِافْتِرَاقِ أَحَادِيثِهِمْ، وَلَمْ نُحَابِ أَحَدًا وَلَكِنَّا قُلْنَا فِي ذَلِكَ بِالدَّلَالَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ صِحَّةِ رِوَايَتِهِ ثُمَّ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ رِوَايَةً مِنْ جِهَةِ يَحْيَى بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ إلَى سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِمِثْلِ ذَلِكَ. ثُمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ بَعْدَ ذَلِكَ:"فَالسُّنَّةُ ثَابِتَةٌ عِنْدَنَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - بِمَا قُلْنَا، وَلَيْسَ مَعَ السُّنَّةِ حُجَّةٌ وَلَا فِيهَا إلَّا اتِّبَاعًا مَعَ أَنَّهَا أَصَحُّ الْأَقَاوِيلِ مُبْتَدَأً وَمَخْرَجًا"فَهَذَا مَا رَأَيْتُهُ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ الصَّغِيرِ وَهُوَ قَوِيُّ الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الْحُجَّةَ قَائِمَةٌ بِذَلِكَ، وَتَأْوِيلُهُ مُمْكِنٌ عَلَى بُعْدٍ وَلَيْسَ كَمَا يَتَوَهَّمُهُ بَعْضُ الضُّعَفَاءِ مِنْ أَنَّهُ تَتَبَّعَهَا فَوَجَدَهَا مُسْنَدَةً، فَيَكُونُ الِاحْتِجَاجُ بِالْمُسْنَدِ، فَإِنَّ ذَلِكَ تَوَهُّمُ أَنَّ الْإِسْنَادَ حَاصِلٌ عِنْدَهُ فِي هَذَا الْمُرْسَلِ بِعَيْنِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ لَمَّا كَانَ حَالُ صَاحِبِهَا أَنَّهُ لَا يَرْوِي إلَّا مُسْنَدًا عَنْ ثِقَةٍ حُمِلَ هَذَا الْمُرْسَلُ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ عَادَتِهِ، فَيُحْتَجُّ بِهِ لِذَلِكَ، وَأَشَارَ ابْنُ الرِّفْعَةِ إلَى أَنَّ الرَّهْنَ الصَّغِيرَ مِنْ الْقَدِيمِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ كُتُبِ الْأُمِّ، وَتَعَلَّقَ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرَهُ قَالُوا عِنْدَ الْكَلَامِ فِي آجَالِ الرَّاهِنِ وَعِتْقِهِ: أَنَّهُ مِنْ الْقَدِيمِ قَالَ: وَكَذَلِكَ نَسَبَ الْمَاوَرْدِيُّ هُنَا قَبُولَ رِوَايَةِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ إلَى الْقَدِيمِ.
قَالَ الْمُزَنِيّ: إذَا لَمْ يَثْبُتْ الْحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَالْقِيَاسُ عِنْدِي أَنَّهُ جَائِزٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا كَانَ فَصِيلًا بِجَزُورٍ قَائِمِينَ جَازَ، وَلَا يَجُوزُ مَذْبُوحَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا طَعَامَانِ لَا يَحِلَّانِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَهَذَا لَحْمٌ وَهَذَا حَيَوَانٌ، فَهُمَا مُخْتَلِفَانِ فَلَا بَأْسَ بِهِ فِي الْقِيَاسِ إنْ كَانَ فِيهِ قَوْلٌ مُتَقَدِّمٌ مِمَّنْ يَكُونُ لِقَوْلِهِ اخْتِلَافٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ ثَابِتًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَنَأْخُذُ بِهِ وَنَدَعُ الْقِيَاسَ.
وَقَدْ مَالَ الْمُزَنِيّ فِي هَذَا الْكَلَامَ إلَى الْجَوَازِ بِشَرْطَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَلَّا يَكُونَ الْحَدِيثُ ثَابِتًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم والثاني: أَنْ يَكُونَ فِيهِ قَوْلٌ مُتَقَدِّمٌ، يَعْنِي - مُخَالِفٌ لِأَبِي بَكْرٍ، وَقَدْ احْتَجَّ الْمُجَوِّزُونَ أَيْضًا بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِيهَا الرِّبَا لِعَسُرَ كَالدَّرَاهِمِ مَعَ الطَّعَامِ جَازَ بِلَا خِلَافٍ، فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ مَسْأَلَتُنَا - وَلَيْسَ فِي الْحَيَوَانِ رِبًا - أَجْوَزَ، وَيُقَاسُ ذَلِكَ عَلَى بَيْعِ اللَّحْمِ بِالثَّوْبِ وَبِالْجِلْدِ، وَبِأَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِاللَّحْمِ الَّذِي فِي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في الرهن الصغير من"الأم": أخبرنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك عن أبي ذئب عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا يعلق الرهن من صاحبه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه"فليحرر.