فهرس الكتاب
ج / 10 ص -337- أَنْ يَكُونَ فِي اللَّحْمَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا مِنْ الْمِلْحِ مَا يَظْهَرُ فِي الْوَقْتِ، فَإِنَّهُ يَمْنَعُ مِنْ بَيْعِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: إنْ كَانَا مُمَلَّحَيْنِ بِالْمِلْحِ بِأَنْ يُنْثَرَ عَلَيْهِمَا الْمِلْحُ أَوْ شَيْءٌ مِنْ الْكُزْبَرَةِ أَوْ غَيْرُهُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ صُبَّ عَلَيْهِ مَاءُ الْمِلْحِ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ. أَمَّا بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ غَيْرُ مَنْزُوعِ الْعَظْمِ فَالْوَجْهَانِ حَكَاهُمَا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْفُورَانِيُّ وَنَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ وَآخَرُونَ، كَمَا حَكَاهُمَا الْمُصَنِّفُ وَعَزَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الْمَنْعَ إلَى أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ مَعَ نَقْلِهِ الْجَوَازَ عَنْ الْإِصْطَخْرِيِّ، وَزَعَمَ الرُّويَانِيُّ أَنَّ الْقَاضِيَ الطَّبَرِيَّ نَسَبَ الْجَوَازَ إلَى أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ، وَلَمْ أَجِدْ ذَلِكَ فِي تَعْلِيقِهِ فَلْيُحْمَلْ ذَلِكَ عَلَى الْوَهْمِ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْأَصْحَابِ عَلَى خِلَافِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَالتَّوْجِيهُ مَذْكُورٌ فِي الْكِتَابِ.
قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: بَلْ بَقَاءُ الْعَظْمِ يَزِيدُهُ فَسَادًا والأصح: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِتَصْحِيحِهِ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي وَنَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَقَالُوا: إنَّهُ الْمَذْهَبُ، وَالرَّافِعِيُّ وَقَالَ: إنَّهُ الْأَظْهَرُ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ وَقَالَ الْإِمَامُ: إنَّ الَّذِي أَمِيلُ إلَيْهِ مِثْلَ الْأَكْثَرِينَ، وَخَالَفَ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ فَقَالَ: إنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ يَجُوزُ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ، وَلَا يُرَدُّ عَلَى صَاحِبِ التَّهْذِيبِ جَزْمٌ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ التَّمْرِ الْمَنْزُوعِ بِغَيْرِ الْمَنْزُوعِ وَلَا بِمِثْلِهِ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَقُولَ: إنَّ الْمَنْعَ هُنَاكَ لِخُرُوجِهِ بِالنَّزْعِ عَنْ حَالَةِ الْكَمَالِ، وَاللَّحْمُ الْمُقَدَّدُ كَامِلٌ سَوَاءٌ نُزِعَ مِنْهُ الْعَظْمُ أَمْ لَمْ يُنْزَعْ، وَمِمَّنْ وَافَقَ صَاحِبَ التَّهْذِيبِ عَلَى تَصْحِيحِ الْجَوَازِ فِي ذَلِكَ الْجُرْجَانِيُّ فِي الشَّافِي وَقَاسَهُ عَلَى بَيْعِ التَّمْرِ مَعَ النَّوَى، وَقَدْ فَرَّقَ بِأَنَّ بَقَاءَ النَّوَى مِنْ مَصْلَحَةِ التَّمْرِ وَلَيْسَ بَقَاءُ الْعَظْمِ مِنْ مَصْلَحَةِ اللَّحْمِ كَذَلِكَ، وَهَذَا إنَّمَا جَرَّهُ الْقَوْلُ بِالْجَوَازِوأما: بَيْعُ الْجَافِّ بِالطَّرِيِّ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ.
فَرْعٌ: إذَا قُلْنَا بِالْجَوَازِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَنْزُوعَ الْعَظْمِ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: فَيَجُوزُ بَيْعُ الْفَخِذِ بِالْجَنْبِ، وَلَا نَظَرَ إلَى تَفَاوُتِ أَقْدَارِ الْعِظَامِ، كَتَفَاوُتِ النَّوَى، وَقَالَ الْإِمَامُ: يَجِبُ أَنْ يَمْتَنِعَ بَيْعُ الْعُضْوِ الَّذِي يَجِيءُ مِنْهُ مِقْدَارٌ صَالِحٌ مِنْ اللَّحْمِ بِعُضْوٍ لَمْ يُقْطَعْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ، فَإِنَّ الْعَظْمَ الْبَاقِي فِي الْعُضْوِ لَا يَحْتَمِلُ، فَإِنْ قَلَّ الْمِقْدَارُ الْمَقْطُوعُ بِحَيْثُ لَا يُبَالَى بِهِ فَلَا بَأْسَ، وَجَزَمَ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ بِأَنَّهُ لَوْ اُسْتُخْرِجَ الْعَظْمُ مِنْ أَحَدِهِمَا ثُمَّ بِيعَ بِمَا فِيهِ الْعَظْمُ لَا يَجُوزُ.
فرع: مَا ذَكَرَهُ مِنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِاللَّحْمِ شَرْطُهُ أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ جِلْدٌ، أَمَّا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ جِلْدٌ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إنْ كَانَ غَلِيظًا لَا يُؤْكَلُ مَعَهُ مُنِعَ مِنْ بَيْعِهِ بِاللَّحْمِ، أَيْ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مِنْ بَيْعِ لَحْمٍ بِلَحْمٍ مَعَ جَهْلِ الْمُمَاثَلَةِ، وَإِنْ كَانَ رَقِيقًا يُؤْكَلُ مَعَهُ كَجُلُودِ الْحِدِّ وَالدَّجَاجِ فَوَجْهَانِ كَالْعَظْمِ، وَلُحُومِ الْحِيتَانِ، لَا يَجُوزُ بَيْعُ الصِّنْفِ الْوَاحِدِ مِنْهَا بَعْضِهِ بِبَعْضٍ طَرِيًّا، وَلَا نَدِيًّا وَلَا مَمْلُوحًا؛ لِأَنَّ الْمِلْحَ يَمْنَعُ الْمُمَاثَلَةَ، وَلَكِنْ يُبَاعُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ إذَا بَلَغَ غَايَةَ يُبْسِهِ غَيْرَ مَمْلُوحٍ؛ فَأَمَّا إذَا اخْتَلَفَ جِنْسُهَا فَيَجُوزُ طَرِيًّا وَيَابِسًا وَمَمْلُوحًا.
فرع: قَالَ الرُّويَانِيُّ: وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْحُوتِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ طَرِيًّا وَلَا نَدِيًّا وَلَا مُمَلَّحًا، وَلَكِنْ
يَجُوزُ إذَا بَلَغَ غَايَةَ يُبْسِهِ غَيْرَ مُمَلَّحٍ.