فهرس الكتاب

الصفحة 3645 من 4102

ج / 10 ص -336- الْأَحْدَاثِ النَّاقِضَةِ وَمَا لَا يَجْرِي الْقِيَاسُ فِي إثْبَاتِهِ فَلَا يَكَادُ يَجْرِي فِي نَفْيِهِ، فَمَالَ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه إلَى اتِّبَاعِ اسْمِ النِّسَاءِ، وَأَصَحُّ قَوْلَيْهِ أَنَّ الطَّهَارَةَ لَا تُنْتَقَضُ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْمُلَامَسَةِ الْمُضَافَةِ إلَى النِّسَاءِ مَعَ سِيَاقِ الْأَحْدَاثِ يُشْعِرُ بِلَمْسِ اللَّوَاتِي يُقْصَدْنَ بِاللَّمْسِ فَإِنْ لَمْ يَتَّجِهْ مَعْنًى صَحِيحٌ دَلَّتْ الْقَرِينَةُ عَلَى التَّخْصِيصِ، وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم:"لَيْسَ لِلْقَاتِلِ مِنْ الْمِيرَاثِ شَيْءٌ"فَالْحِرْمَانُ لَا سَبِيلَ فِيهِ إلَى التَّعْلِيلِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْخِلَافِ، وَإِذَا انْسَدَّ مَسْلَكُ التَّعْلِيلِ اقْتَضَى الْحَالُ التَّعَلُّقَ بِاللَّفْظِ، فَرَدَّدَ الشَّافِعِيُّ نَصَّهُ فِي الْقَتْلِ قِصَاصًا، فَوَجْهُ الْحِرْمَانِ التَّعَلُّقُ بِالظَّاهِرِ مَعَ حَسْمِ التَّعْلِيلِ، وَوَجْهُ التَّوْرِيثِ التَّطَلُّعُ عَلَى مَقْصُودِ الشَّارِعِ، وَلَيْسَ يَخْفَى أَنَّ مَقْصُودَهُ مُضَادَّةُ غَرَضِ الْمُسْتَعْجِلِ.

وَاَلَّذِي نَحْنُ فِيهِ مِنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ خَارِجٌ عَنْ هَذَا الْقَانُونَ، فَمَنْ عَمَّمَ تَعَلَّقَ بِقَوْلِ الشَّارِعِ، وَمَنْ فَصَّلَ تَشَوَّفَ إلَى دَرْكِ مَقْصُودِهِ، وَهُوَ أَنَّ فِي الْحَيَوَانِ لَحْمًا، وَمَنْ تَمَسَّكَ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ نَقَلَ تَرَتُّبَ كَلَامِهِ؛ فَيُقَرِّبُ بَعْضَ الْمَرَاتِبِ وَيُبْعِدُ بَعْضَهَا، فَالْقَتْلُ قِصَاصًا أَقْرَبُ قَلِيلًا، وَالْقَتْلُ حَدًّا سِيَّمَا إذَا ثَبَتَ بِإِقْرَارِ مَنْ عَلَيْهِ الْحَدُّ بَعِيدٌ، وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مَنْعُ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْعَبْدِ، وَلَوْ ادَّعَى الْعِلْمَ فِي أَنَّ هَذَا لَيْسَ مُرَادَ الشَّارِعِ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا، هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ.

فائدة: لَهُ فِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ الْحَدِيثُ:"لَا يُبَاعُ حَيٌّ بِمَيِّتٍ"الْمَيِّتُ فِي اللُّغَةِ مَنْ فَارَقَتْهُ الْحَيَاةُ فَيَشْمَلُ الْمَذْبُوحَ، وَفِي الشَّرْعِ مَنْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ وَلَكِنَّهُ لَمَّا قُوبِلَ بِالْحَيِّ تَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمَعْنَى الْأَوَّلُ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمَيِّتَ لَا يُبَاعُ بِحَيٍّ وَلَا بِغَيْرِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَيَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِجِنْسِهِ إذَا تَنَاهِي جَفَافُهُ، وَنُزِعَ مِنْهُ الْعَظْمُ؛ لِأَنَّهُ يُدَّخَرُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ، فَجَازَ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ كَالتَّمْرِ، وَهَلْ يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ قَبْلَ نَزْعِ الْعَظْمِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ: يَجُوزُ كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ وَفِيهِ النَّوَى. وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: لَا يَجُوزُ كَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْعَسَلِ الَّذِي فِيهِ شَمْعٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، وَيُخَالِفُ النَّوَى فِي التَّمْرِ فَإِنَّ فِيهِ مَصْلَحَةً لَهُ، وَلَيْسَ فِي تَرْكِ الْعَظْمِ فِي اللَّحْمِ مَصْلَحَةٌ لَهُ"

الشرح: تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ الطَّرِيِّ بِالطَّرِيِّ، وَشَرَعَ الْمُصَنِّفُ الْآنَ يَذْكُرُ حُكْمَهُ إذَا جَفَّ، وَجَوَازُ بَيْعِهِ جَافًّا، وَاشْتِرَاطُ التَّنَاهِي فِي الْجَفَافِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ، وَفَسَّرَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله فِي الْأُمِّ انْتِهَاءَ جَفَافِهِ بِأَنْ يُمَلَّحَ وَيَسِيلَ مَاؤُهُ، قَالَ: فَذَلِكَ انْتِهَاءُ جُفُوفِهِ، فَإِذَا انْتَهَى بِيعَ رِطْلٌ بِرِطْلٍ وَزْنًا بِوَزْنٍ يَدًا بِيَدٍ مِنْ صِنْفٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ هَذَا، وَجَوَازُ بَيْعِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ إذَا نُزِعَ مِنْهُ الْعَظْمُ لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْأَصْحَابِ، وَمِمَّنْ نَفَى الْخِلَافَ فِيهِ أَبُو الطَّيِّبِ وَالرُّويَانِيُّ، وَفَرَّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّمْرِ إذَا نُزِعَ مِنْهُ النَّوَى، حَيْثُ لَا يَجُوزُ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ بِأَنَّ التَّمْرَ إذَا نُزِعَ مِنْهُ النَّوَى يَتَجَافَى فِي الْمِكْيَالِ، فَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ التَّمَاثُلِ فِيهِ بِخِلَافِ اللَّحْمِ فَإِنَّ اعْتِبَارَ التَّمَاثُلِ فِيهِ إذَا نُزِعَ مِنْهُ الْعَظْمُ يَكُونُ أَمْكَنَ، وَبِأَنَّ بَقَاءَ النَّوَى فِي التَّمْرِ مِنْ مَصْلَحَتِهِ وَبَقَاءَ الْعَظْمِ فِي اللَّحْمِ مُفْسِدٌ؛ لِأَنَّهُ يَتَغَيَّرُ بِمَا فِي الْعَظْمِ مِنْ الْمُخِّ فَلَا يَصِلُ إلَيْهِ الْمِلْحُ.

ثُمَّ إنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأَصْحَابِ أَطْلَقُوا الْجَوَازَ فِي ذَلِكَ، وَاسْتَثْنَى الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالرَّافِعِيُّ مِنْ ذَلِكَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت