ج / 1 ص -234- رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الثَّالِث: جَوَابُ الْبَيْهَقِيّ وَالْأَصْحَابِ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ غَسَلَ الرِّجْلَيْنِ فِي النَّعْلَيْنِ فَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ أَوْجُهٍ كَثِيرَةٍ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ فَوَجَبَ حَمْلُ الرِّوَايَةِ الْمُحْتَمِلَةِ عَلَى الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ.
وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الرَّأْسِ فَمُنْتَقَضٌ بِرِجْلِ الْجُنُبِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ فَرْضُهَا فِي التَّيَمُّمِ وَلَا يُجْزِئُ مَسْحُهَا بِالِاتِّفَاقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ المصنف رحمه الله تعالى:"وَيَجِبُ إدْخَالُ الْكَعْبَيْنِ فِي الْغَسْلِ لقوله تعالى: {وَأَرْجُلَكُمْ إلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة:6] قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: مَعَ الْكَعْبَيْنِ، وَالْكَعْبَانِ هُمَا الْعَظْمَاتُ النَّاتِئَانِ عِنْدَ مَفصل: السَّاقِ وَالْقَدَمِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رَوَى النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ رضي الله عنهما"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ وَقَالَ: أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، فَلَقَدْ رَأَيْتُ الرَّجُلَ مِنَّا يُلْصِقُ كَعْبَهُ بِكَعْبِ صَاحِبِهِ وَمَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِهِ"فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْكَعْبَ مَا قُلْنَاهُ ."
الشرح: حَدِيثُ النُّعْمَانِ حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِأَسَانِيدَ جَيِّدَةٍ، وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ تَعْلِيقًا بِصِيغَةِ جَزْمٍ فَقَالَ فِي أَبْوَابِ تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ. وَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ:"رَأَيْتُ الرَّجُلَ مِنَّا يُلْصِقُ كَعْبَهُ بِكَعْبِ صَاحِبِهِ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ تَعْلِيقَاتِ الْبُخَارِيِّ إذَا كَانَتْ بِصِيغَةِ جَزْمٍ كَانَتْ صَحِيحَةً. وَقَوْلُهُ وَرَوَى النُّعْمَانُ:"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَقْبَلَ عَلَيْنَا"هُوَ مِنْ بَابِ تَلْوِينِ الْخِطَابِ، وَفِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: قَالَ إنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَقْبَلَ عَلَيْنَا، وَلَوْ أَتَى الْمُصَنِّفُ بِلَفْظَةِ"قَالَ كَمَا هِيَ فِي رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ لَكَانَ أَحْسَنَ. وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم:"أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ"مَعْنَاهُ أَتِمُّوهَا وَاعْتَدِلُوا وَاسْتَوُوا فِيهَا. وَقَوْلُهُ:"يُلْصِقُ كَعْبَهُ بِكَعْبِ صَاحِبِهِ وَمَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِهِ"إخْبَارٌ عَنْ شِدَّةِ مُبَالَغَتِهِمْ فِي إقَامَةِ الصُّفُوفِ وَتَسْوِيَتِهَا. وَالْمَنْكِبُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْكَافِ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي فصل: غَسْلِ الْيَدَيْنِ.
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ:"الْعَظْمَاتُ النَّاتِئَانِ"هُوَ بِالنُّونِ فِي أَوَّلِهِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ تَاءٌ مُثَنَّاةٌ فَوْقُ ثُمَّ هَمْزَةٌ وَمَعْنَاهُ النَّاشِزَانِ الْمُرْتَفِعَانِ. وَقَوْلُهُ: ( مَفصل: السَّاقِ هُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الصَّادِ، وَالسَّاقُ مُؤَنَّثَةٌ غَيْرُ مَهْمُوزَةٍ وَفِيهَا لُغَةٌ قَلِيلَةٌ بِالْهَمْزِ، وَقَدْ قُرِئَ بِهَا فِي السَّبْعِ فِي قوله تعالى: {وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا} [النمل:44] وَغَيْرِهِ.
وَأَمَّا النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ رَاوِي الْحَدِيثِ فَكُنْيَتُهُ أَبُو عَبْدُ اللَّهِ وَهُوَ أَنْصَارِيٌّ خَزْرَجِيُّ، وَهُوَ أَوَّلُ مَوْلُودٍ وُلِدَ لِلْأَنْصَارِ بَعْدَ قُدُومِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ وَهُوَ وَأَبُوهُ بَشِيرٌ صَحَابِيَّانِ، وَأُمُّ النُّعْمَانَ عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ أُخْتُ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ صَحَابِيَّةٌ، وَوُلِدَ النُّعْمَانُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ مِنْ الْهِجْرَةِ وَقُتِلَ بِقَرْيَةٍ مِنْ قُرَى حِمْصٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَقِيلَ: سَنَةَ سِتِّينَ رضي الله عنه.
أَمَّا أَحْكَامُ الْفصل: فَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ:إحْدَاهُمَا: أَنَّهُ يَجِبُ إدْخَالُ الْكَعْبَيْنِ فِي الْغَسْلِ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ، وَخَالَفَ فِيهِ زُفَرُ وَابْنُ دَاوُد، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ ذَلِكَ وَدَلِيلَهُ فِي غَسْلِ الْيَدَيْنِ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ أَيْ: كَثِيرُونَ مِنْهُمْ فَإِنَّهُمْ مُخْتَلِفُونَ كَمَا سَبَقَ.
الْمسألة الثَّانِيَةُ: أَنَّ الْكَعْبَيْنِ هُمَا الْعَظْمَاتُ النَّاتِئَانِ عِنْدَ مَفصل: السَّاقِ وَالْقَدَمِ، وَهَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ