فهرس الكتاب

الصفحة 3695 من 4102

ج / 11 ص -19- عَلَى أَنَّهَا إذَا لَمْ تَكُنْ مُؤَبَّرَةً فَهِيَ لِلْمُبْتَاعِ؛ وَلِأَنَّ ثَمَرَةَ النَّخْلِ كَالْحَمْلِ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءٌ كَامِنٌ لِظُهُورِهِ غَايَةٌ كَالْحَمْلِ، ثُمَّ الْحَمْلُ الْكَامِنُ يَتْبَعُ الْأَصْلَ فِي الْبَيْعِ، وَالْحَمْلُ الظَّاهِرُ لَا يَتْبَعُ فَكَذَلِكَ الثَّمَرَةُ. قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله: وَمَا شُقِّقَ فِي مَعْنَى مَا أُبِّرَ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءٌ ظَاهِرٌ فَهُوَ كَالْمُؤَبَّرِ"."

الشرح: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ رحمهما الله وَلَفْظُهُمَا:"مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ"وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ:"مَنْ ابْتَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ"وَفِي لَفْظٍ آخَرَ لَهُ:"أَيُّمَا نَخْلٍ اُشْتُرِيَ أُصُولُهَا وَقَدْ أُبِّرَتْ فَإِنَّ ثَمَرَتَهَا لِلَّذِي أَبَّرَهَا إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الَّذِي اشْتَرَاهَا"وَفِي لَفْظٍ لَهُ أَيْضًا"أَيُّمَا امْرِئٍ أَبَّرَ نَخْلًا ثُمَّ بَاعَ أَصْلَهَا فَلِلَّذِي أَبَّرَ ثَمَرُ النَّخْلِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ"وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ، وَهَذَا مِنْ أَصَحِّ الْأَسَانِيدِ وَأَحْسَنِهَا، كُلُّهُ أَئِمَّةٌ عُلَمَاءُ، وَلَفْظُهُ كَلَفْظِ الْمُصَنِّفِ لَكِنَّهُ قَالَ: أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ بِغَيْرِ هَاءٍ، وَكَذَلِكَ فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِ سَالِمٍ، وَمَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَالْمَالُ لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ، وَجَمَاعَةُ الْحُفَّاظِ يَقُولُونَ هَكَذَا بِغَيْرِ هَاءٍ فِي الْمَوْضِعَيْنِ هَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَنَبَّهَ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى: إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ سَائِرَ ذَلِكَ، فَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ اشْتِرَاطِ نِصْفِ الثَّمَرِ أَوْ جُزْءٍ مِنْهَا وَكَذَلِكَ فِي مَالِ الْعَبْدِ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَسَأَتَعَرَّضُ لِهَذَا فِي فَرْعٍ آخِرَ الْكَلَامِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَالْغَرَضُ التَّنْبِيهُ عَلَى إسْقَاطِ الْهَاءِ مِنْ لَفْظِ الْحَدِيثِ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهَا فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْحَدِيثِ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: نَمَاءٌ احْتِرَازٌ مِنْ الْكَنْزِ وَالْحِجَارَةِ الْمَدْفُونَةِ وَالْبُذُورِ.

وقوله: كَامِنٌ احْتِرَازٌ مِنْ الزَّرْعِ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ مِنْ غَيْرِ الْمُؤَبَّرِ كَذَلِكَ، وَمِنْ التِّينِ وَالْعِنَبِ وَنَحْوِهِ وَقَوْلُهُ: لِظُهُورِهِ غَايَةٌ، احْتِرَازٌ مِنْ الْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَالرُّمَّانِ وَالرَّانِجِ؛ لِأَنَّهُ لَا غَايَةَ لِخُرُوجِهِ مِنْ قِشْرِهِ. وَإِنَّمَا يَظْهَرُ بِكَسْرِهِ، فَالرُّمَّانُ وَالْمَوْزُ لِلْبَائِعِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَالْجَوْزُ وَاللَّوْزُ وَالرَّانِجُ لَهُ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ، فَالثَّمَرَةُ الْمَقْصُودَةُ مِنْ دُونِ الْأَشْيَاءِ لَا تَظْهَرُ إلَّا عِنْدَ الْأَكْلِ، فَهَذَا فِي مَعْنَى قَوْلِنَا لَيْسَ لِظُهُورِهِ غَايَةٌ، وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: مَنْ بَاعَ، وَفِي بَعْضِهَا: مَنْ اشْتَرَى، وَكُلُّهَا صَحِيحٌ سَنَدًا وَمَعْنًى. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا يَخْتَلِفُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ فِي صِحَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ وَهُوَ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ ثَابِتٌ صَحِيحٌ.

وَقَوْلُهُ: أُبِّرَتْ يَجُوزُ تَشْدِيدُهُ وَتَخْفِيفُهُ، يُقَالُ أَبَرَ النَّخْلَ مُخَفَّفًا يَأْبُرُهَا أَبْرًا، وَالتَّأْبِيرُ هُوَ التَّلْقِيحُ وَهُوَ أَنْ يَنْتَظِرَ النَّخْلَةَ حَتَّى إذَا انْشَقَّ طَلْعُهَا وَظَهَرَ مَا فِي بَطْنِهِ وُضِعَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ طَلْعِ الْفُحَّالِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ أَنْ تُشَقَّقَ وَيُؤْخَذُ شَيْءٌ مِنْ طَلْعِ الذَّكَرِ فَيُدْخَلَ بَيْنَ ظَهْرَانِي طَلْعِ الْإِنَاثِ فَيَكُونَ ذَلِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى صَلَاحًا لَهَا، وَهَذِهِ هِيَ الْعِبَارَةُ الْمُحَرَّرَةُ وَقَدْ يُؤْخَذُ سَعَفُ الْفُحَّالِ فَيُضْرَبُ فِي نَاحِيَةٍ مِنْ نَوَاحِي الْبُسْتَانِ عِنْدَ هُبُوبِ الرِّيَاحِ، فَيَحْمِلُ الرِّيحُ أَجْزَاءَ الْفُحَّالِ إلَى سَائِرِ النَّخْلِ، فَيَمْنَعُهُ التَّسَاقُطَ، وَفِي عِبَارَةِ جَمَاعَةٍ مَا يُوهِمُ أَنَّ التَّشَقُّقَ دَاخِلٌ فِي مُسَمَّى التَّأْبِيرِ، وَسَنُبَيِّنُ لَكَ فِيمَا سَيَأْتِي أَنَّهُ لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ.

أَمَّا الْأَحْكَامُ: فَبَيْعُ الشَّجَرِ، إنْ كَانَ بِشَرْطِ الْقَطْعِ جَازَ مُطْلَقًا، رَطْبًا وَيَابِسًا، وَإِنْ كَانَ بِشَرْطِ الْقَلْعِ فَإِطْلَاقُ الْأَكْثَرِينَ يَقْتَضِي الْجَوَازَ أَيْضًا، وَقَالَ الصَّيْمَرِيُّ: إنْ كَانَ كَالْفُجْلِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ أَسْفَلَهُ غَائِبٌ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت