فهرس الكتاب

الصفحة 3698 من 4102

ج / 11 ص -22- بَقَاءِ مُدَّةِ إجَارَتِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ؟ كَمَا لَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ مَمْلُوكَةً لَهُ وَلَمْ يُدْخِلْهَا فِي الْعَقْدِ أَوْ يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ كَمَا يَسْتَحِقُّهَا مَالِكُ الْمَنْفَعَةِ عَلَيْهِ بَعْدَ فَرَاغِ الْمُدَّةِ؟ فِيهِ نَظَرٌ وَاحْتِمَالٌ، قَالَ: وَالْأَشْبَهُ الثَّانِي، وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ فِي الْعُرْفِ، وَلَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ قَدْ أَوْصَى لَهُ بِمَنْفَعَتِهَا دُونَ رَقَبَتِهَا وَجَازَ لَهُ الْبِنَاءُ وَالْغِرَاسُ فِيهَا ثُمَّ بَاعَ ذَلِكَ فَيُشْبِهُ أَنْ تُلْحَقَ هَذِهِ بِمَا إذَا كَانَ مَالِكًا لِلْأَرْضِ حَتَّى لَا تُسْتَحَقَّ عَلَيْهِ أُجْرَةٌ، لَا فِي حَالِ حَيَاتِهِ وَلَا بَعْدَ وَفَاتِهِ إذَا قُلْنَا: لَا تَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ بِمَوْتِهِ كَمَا هُوَ الْمَذْهَبُ أما: إذَا قُلْنَا: تَنْتَهِي بِمَوْتِهِ حَتَّى لَا تَنْتَقِلَ الْمَنْفَعَةُ لِوَارِثِهِ، كَمَا هُوَ مَحْكِيٌّ فِي الْإِبَانَةِ وَالْبَحْرِ فَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الْإِجَارَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ كُلُّهَا جَارِيَةٌ فِي جَمِيعِ الشَّجَرِ، لَا فَرْقَ بَيْنَ النَّخْلِ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ اسْتَشْكَلَ ابْنُ أَبِي الدَّمِ دُخُولَ الْمُغْرَسِ فِي بَيْعِ الشَّجَرِ، وَرَأَى الْقَوْلَ بِهِ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْأَرْضَ قَدْ تَكُونُ كَثِيرَةَ الشَّجَرِ، فَتَشْتَبِكُ عُرُوقُهَا فِي جَمِيعِ الْأَرْضِ، فَلَا يَبْقَى لِلْأَرْضِ بَيَاضٌ عَلَى ظَاهِرِهَا لِتَقَارُبِ الْأَشْجَارِ، وَلَا فِي بَطْنِهَا لِاشْتِبَاكِ الْعُرُوقِ، وَإِثْبَاتُهَا يُفْضِي إلَى أَنْ يَمْلِكَ مُشْتَرِي الْغِرَاسِ بِشِرَائِهِ جَمِيعَ الْأَرْضِ أَوْ مُعْظَمَهَا، وَأَيْضًا فَإِمَّا أَنْ يَمْلِكَهُ نَازِلًا فِي طَبَقَاتِ الْأَرْضِ عَلَى مُسَامَتَةِ الْعُرُوقِ وَفِي جِهَةِ الْعُلُوِّ إلَى وَجْهِ الْأَرْضِ عَلَى مُسَامَتَةِ الْعُرُوقِ، وَلَا نَقُولُ: إنَّهُ يَمْلِكُ مِنْ الْأَرْضِ مَا يَسْتُرُ الْعُرُوقَ، وَالْبَحْثُ بِهَا مِنْ الْأَرْضِ. وَالْأَوَّلُ ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ لِإِفْضَائِهِ إلَى مِلْكِ الْأَرْضِ بِانْتِشَارِ الْعُرُوقِ.

والثاني: بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى مَنْعِ مَالِكٍ مِنْ بَيْعِ أَرْضِهِ مِنْ غَيْرِ مَالِكِ الْغِرَاسِ؛ لِأَنَّ مَالِكَ الْغِرَاسِ قَدْ مَلَكَ جُمْلَةً مِنْ أَجْزَائِهَا وَهِيَ مَجْهُولَةٌ وَبَيْعُ الْمَجْهُولِ بَاطِلٌ، فَقَدْ أَدَّى إلَى فَسَادِهِ تَفْرِيعُهُ عَلَى فَاسِدٍ، وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنَّهُ إذَا مَلَكَ شَجَرَةً صَغِيرَةً وَمَلَكَ مُغْرَسَهَا فَلَا شَكَّ فِي صِغَرِ الْمُغْرَسِ الْآنَ لِصِغَرِ الشَّجَرَةِ وَقِلَّةِ عُرُوقِهَا، فَإِذَا ابْتَلَّتْ الشَّجَرَةُ وَسُقِيَتْ وَانْتَشَرَتْ عُرُوقُهَا وَامْتَدَّتْ إلَى مَوَاضِعَ لَمْ تَكُنْ مُمْتَدَّةً إلَيْهَا وَقْتَ الشِّرَاءِ وَلَا بَعْدَهُ بِأَشْهُرٍ، فَيُؤَدِّي إلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَالِكًا لِمَوَاضِعَ مِنْ الْأَرْضِ، وَكُلَّمَا امْتَدَّ عِرْقٌ شِبْرًا أَوْ فِتْرًا فِي جُزْءٍ مِنْ الْأَرْضِ مَلَكَهُ مِلْكًا مُتَجَدِّدًا، وَهَذَا بِدْعٌ فِي الشَّرْعِ، لَا يَصِيرُ إلَيْهِ بِجَعْلٍ، انْتَهَى مَا قَالَهُ ابْنُ أَبِي الدَّمِ وَهُوَ بَحْثٌ جَيِّدٌ.

إذَا عَرَفْتُ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةَ فَإِذَا بَاعَ نَخْلًا دَخَلَ جَرِيدُهَا وَسَعَفُهَا وَخُوصُهَا لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ وأما الطَّلْعُ فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُؤَبَّرٍ دَخَلَ، وَإِنْ كَانَ مُؤَبَّرًا لَمْ يَدْخُلْ؛ لِلْحَدِيثِ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ الْمُصَنِّفُ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى الْحُكْمِ الثَّانِي بِمَنْطُوقِهِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ بِمَفْهُومِهِ. وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي أَنَّهُ جَعَلَهُ مَفْهُومَ الشَّرْطِ، وَكَذَلِكَ فَهِمَهُ صَاحِبُ الِانْتِصَارِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَفْهُومَ الصِّفَةِ فَإِنَّهُ جَعَلَ التَّأْبِيرَ صِفَةً لِلنَّخْلِ، وَكَذَلِكَ جَعَلَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى وَغَيْرُهُ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ مِنْ أَمْثِلَةِ مَفْهُومِ الصِّفَةِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ.

قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ: لَنَا مِنْ الْحَدِيثِ أَدِلَّةٌ ثَلَاثَةٌ: أحدها: دَلِيلُ الْخِطَابِ وَهُوَ دَلِيلُ الشَّافِعِيِّ رحمه الله تعالى مِنْهُ، وَذَلِكَ أَنَّ الطَّلْعَ لَهُ وَصْفَانِ مُؤَبَّرٌ وَغَيْرُ مُؤَبَّرٍ، فَلَمَّا جَعَلَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إذَا كَانَ مُؤَبَّرًا لِلْبَائِعِ؛ دَلَّ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْمُؤَبَّرِ لِلْمُشْتَرِي كَمَا نَقُولُهُ فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ زَكَاةٌ.

والثاني: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"مَنْ بَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ يُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ"فَجَعَلَهَا لِلْبَائِعِ بِالشَّرْطِ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت