فهرس الكتاب
ج / 11 ص -24- لِمَفْهُومِ الصِّفَةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ يُتَّجَهُ عِنْدَ مَنْ يَرَى الْمَفْهُومَ حُجَّةً وَهُمْ الْأَكْثَرُونَ، فَقَالَ بِمَفْهُومِ الصِّفَةِ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا وَأَكْثَرُ الْمَالِكِيَّةِ وَنَسَبَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ إلَى مَالِكٍ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ وَأَنْكَرَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ وَالْقَفَّالُ هُنَا، وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ. وأما: الْخَصْمُ الْمُنْكِرُ لِكُلٍّ مِنْ الْمَفْهُومَيْنِ فَلَا يُمْكِنُ الِاحْتِجَاجُ عَلَيْهِ بِدَفْعِ مُخَالِفِيهِ فِي الْأَصْلِ وَكَذَلِكَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا مِمَّنْ أَنْكَرَ الْمَفْهُومَيْنِ مَعًا، فَكَيْفَ يُمْكِنُهُ التَّمَسُّكُ فِي هَذَا الْفَرْعِ بِهِ لَكِنَّ الْخَصْمَ فِي إلْحَاقِ غَيْرِ الْمُؤَبَّرَةِ بِالْمُؤَبَّرَةِ يَحْتَاجُ إلَى قِيَاسٍ، وَلَنْ يَجِدَهُ وَمَتَى لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ وَلَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى تَبَعِيَّةِ غَيْرِ الْمُؤَبَّرَةِ وَجَبَ كَوْنُهَا لِلْمُشْتَرِي تَبَعًا لِلشَّجَرَةِ، وَكَذَلِكَ قَالَ بِذَلِكَ مَنْ يُنْكِرُ الْمَفْهُومَ وَالْقِيَاسَ كَدَاوُد.
فَإِنْ قُلْتُ: بَلْ يَجِبُ كَوْنُهَا لِلْبَائِعِ عَمَلًا بِالْأَصْلِ وَبَقَاؤُهَا عَلَى مِلْكِهِ
قلت: لَا بُدَّ فِي إدْرَاجِهَا فِي الْبَيْعِ مِنْ قِيَاسٍ أَوْ عُرْفٍ عِنْدَ مَنْ يُنْكِرُ الْقِيَاسَ، وَاعْتَضَدَ الْأَصْحَابُ بِمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ عَطَاءً أَخْبَرَهُ"أَنَّ رَجُلًا بَاعَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَائِطًا مُثْمِرًا، وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْمُبْتَاعُ الثَّمَرَ وَلَمْ يَسْتَثْنِ الْبَائِعُ وَلَمْ يَذْكُرَاهُ فَلَمَّا ثَبَتَ الْبَيْعُ اخْتَلَفَا فِي الثَّمَرِ وَاحْتَكَمَا فِيهِ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَضَى بِالثَّمَرِ لِلَّذِي لَقَّحَ النَّخْلَ"- الْبَائِعِ - وَهَذَا مِنْ مَرَاسِيلِ عَطَاءٍ فَفِيهِ اعْتِضَادٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ أَصَرْحَ مِنْ الْأَوَّلِ بِكَثِيرٍ فَإِنَّ قَوْلَهُ - الْبَائِعِ - دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِاَلَّذِي لَقَّحَ الْمَعْهُودَ لَا الْعُمُومَ وَحِينَئِذٍ يَعُودُ إلَى أَنَّ ذِكْرَ الصِّفَةِ هَلْ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ؟ هَذَا بِحَسَبِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَلَمْ أَجِدْ غَيْرَهَا فِيهِ عُمُومٌ بِحَيْثُ أَثِقُ بِصِحَّتِهِ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ:"قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِثَمَرِ النَّخْلِ لِمَنْ أَبَّرَهَا إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ وَإِنَّ مَالَ الْمَمْلُوكِ لِمَنْ بَاعَهُ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْبَائِعُ".
فَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ مَاجَهْ فَفِي سَنَدِهَا الْفُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ: لَيْسَ بِثِقَةٍ، فَالْحَدِيثُ سَنَدُهُ ضَعِيفٌ مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الْحَدِيثَ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه وَلَفْظُهُ"فَجَعَلَ الثَّمَرَ لِمَنْ أَبَّرَهَا"وَقَالَ: ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ أَبُو إِسْحَاقَ فِي الشَّرْحِ، وَأَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ فِي الْمُحَرَّرِ، وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ السَّاجِيّ قَالَ: وَهَذَا نَصٌّ، وَلَيْسَتْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ زِيَادَةٌ عَلَى رِوَايَةِ مُسْلِمٍ الْمُتَقَدِّمَةِ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ اشْتِرَاطٌ مِنْ الْمُبْتَاعِ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُسْتَدَلَّ بِرِوَايَةِ مُسْلِمٍ، وَتَعْلِيقُ الْحُكْمِ فِيهَا بِالْوَصْفِ وَدَلَالَتِهِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ [حَقُّ الْبَائِعِ] 1وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَنْشَدَ قَوْلَ الْأَعْرَابِيِّ حِينَ حَرَّمَ عَلَيْهِ بَعْضُ مُلُوكِ الْجَاهِلِيَّةِ ثَمَرَةَ نَخْلَةٍ لَهُ:
جَذَذْت جَنَى نَخْلَتِي ظَالِمًا وَكَانَ الثِّمَارُ لِمَنْ قَدْ أَبَرا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 مابين المعقوفين ليس في ش و ق (ط) .