فهرس الكتاب
ج / 11 ص -25- فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:
"وَكَانَ الثِّمَارُ لِمَنْ قَدْ أَبَّرَ".
وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ إثْبَاتًا لِهَذَا الْحُكْمِ كَمَا أَنْشَدَ قَوْلَ الْأَعْشَى:
وَهُوَ سِرٌّ غَالِبٌ لِمَنْ غَلَبَ
"فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"وَهُوَ سِرٌّ غَالِبٌ لِمَنْ غَلَبَ"."
تَثْبِيتًا لِهَذَا الْقَوْلِ. وَهَذِهِ الْوُجُوهُ ذَكَرْنَاهَا عَلَى جِهَةِ الِاسْتِئْنَاسِ وَالِاعْتِضَادِ لَا أَنَّهُ يَقُومُ بِهَا بِمُفْرَدِهَا حُجَّةٌ وَالْحُجَّةُ مَا تَقَدَّمَ، وَلَهُ تَتِمَّةٌ تَأْتِي فِي فَرْعِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ
وَافَقَنَا عَلَى دُخُولِ الطَّلْعِ وَالتَّفْرِقَةِ بَيْنَ مَا قَبْلَ التَّأْبِيرِ وَبَعْدَهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَدَاوُد بْنُ عَلِيٍّ وَالطَّبَرِيُّ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: يَدْخُلُ الطَّلْعُ فِي بَيْعِ النَّخْلِ بِكُلِّ حَالٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْكُوفِيُّونَ وَالْأَوْزَاعِيُّ: لَا يَدْخُلُ بِكُلِّ حَالٍ مُؤَبَّرًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُؤَبَّرٍ إلَّا بِالشَّرْطِ فَأَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ بِالْمَنْطُوقِ دُونَ الْمَفْهُومِ وَأَخَذَ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه بِالْمَنْطُوقِ وَالْمَفْهُومِ مَعًا وَلَمْ يَأْخُذْ ابْنُ أَبِي لَيْلَى بِالْمَنْطُوقِ وَلَا بِالْمَفْهُومِ وَاحْتَجَّ مَنْ نَصَرَ قَوْلَهُ بِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ فَأَشْبَهَ السَّقْفَ وَالْأَغْصَانَ وَالصُّوفَ عَلَى ظَهْرِ الْغَنَمِ.
وَأَجَابَ: أَصْحَابُنَا رحمهم الله بِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ إنَّمَا دَخَلَتْ؛ لِأَنَّهَا أَجْزَاءٌ وَلَيْسَتْ بِنَمَاءٍ بِدَلِيلِ أَنَّ الْحَيَوَانَ يُولَدُ وَعَلَيْهِ الصُّوفُ وَالنَّمَاءُ مَا لَا يَكُونُ أَصْلًا.
وأما: الثَّمَرَةُ فَإِنَّهَا نَمَاءٌ وَرَدُّوا هَذَا الْقَوْلَ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ السُّنَّةِ وَالِاسْتِدْلَالِ.
وَاحْتَجَّتْ: الْحَنَفِيَّةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ بِأَنَّهَا ثَمَرَةٌ بَرَزَتْ عَنْ شَجَرِهَا، وَبِأَنَّهَا يَجُوزُ إفْرَادُهَا بِالْعَقْدِ فَلَمْ تَتْبَعْ الْأَصْلَ كَالْمُؤَبَّرَةِ، وَبِالْقِيَاسِ عَلَى طَلْعِ الْفُحَّالِ، وَبِأَنَّهَا نَمَاءٌ لَهَا حَالٌ إذَا انْتَهَتْ إلَيْهِ أُخِذَتْ فَلَمْ تَتْبَعْ الْأَصْلَ كَالزَّرْعِ فِي الْأَرْضِ، وَبِأَنَّ الزَّرْعَ لَا يَتْبَعُ الْأَرْضَ فِي حَالَةِ ظُهُورِهِ وَلَا فِي حَالَةِ كُمُونِهِ فَكَذَلِكَ الطَّلْعُ، وَبِأَنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ قَوْلُ مَنْ شَرَطَ التَّأْبِيرَ أَنَّهَا إذَا لَمْ تُؤَبَّرْ حَتَّى انْتَهَتْ وَصَارَتْ بَلَحًا أَوْ بُسْرًا ثُمَّ بِيعَ النَّخْلُ أَنَّ الثَّمَرَةَ لَا تَدْخُلُ فِيهِ، قَالُوا: فَعَلِمْنَا أَنَّ الْمَعْنَى فِي ذِكْرِ التَّأْبِيرِ ظُهُورُ الثَّمَرَةِ وَبِأَنَّ الطَّلْعَ لَا يَتْبَعُ فِي الرَّهْنِ فَكَذَلِكَ فِي الْبَيْعِ كَالْمُؤَبَّرَةِ.
وَأَجَابَ: الْأَصْحَابُ بَعْدَ التَّمَسُّكِ بِالْحَدِيثِ عَنْ الْأَوَّلِ بِمَنْعِ كَوْنِهَا بَرَزَتْ عَنْ الْأَصْلِ فَإِنَّهَا فِي غِلَافِهَا وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ جَوَازَ إفْرَادِهَا بِالْعَقْدِ عَلَى رَأْي أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مُغَيَّبٌ فِيمَا لَا يُدَّخَرُ فِيهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْجَوْزِ فِي الْقِشْرَةِ الْعُلْيَا، وَلَئِنْ سَلَّمْنَا فَجَوَازُ الْإِفْرَادِ لَا يَدُلُّ عَلَى