فهرس الكتاب
ج / 11 ص -35- نَعَمْ قَدْ يَدُلُّ عَلَى التَّخْصِيصِ بِقَرِينَةٍ تَنْضَمُّ إلَى الذِّكْرِ الْقَاصِرِ. فَأَمَّا مُجَرَّدُ الذِّكْرِ فَلَا يَدُلُّ، وَالتَّخْصِيصُ دَلِيلٌ بِالْوَضْعِ الْعُرْفِيِّ، فَلَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ دَلِيلًا إلَّا بِقَرِينَةٍ، فَلْيُدْرَكْ التَّفَاوُتُ بَيْنَ الرُّتْبَتَيْنِ. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ رحمه الله مِنْ نَفِيسِ الْكَلَامِ لِمَنْ أَنْصَفَ مِنْ نَفْسِهِ، وَفَهِمَ بِذَوْقِهِ الْفَرْقَ بَيْنَ الرُّتْبَتَيْنِ. فَيَعْلَمُ بِهَذَا الْكَلَامِ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ وأما: مَنْ لَمْ يَشْهَدْ ذَوْقُهُ لِلتَّفْرِقَةِ قَالَ: فَهُوَ جَدِيرٌ بِأَنْ لَا يُكَلَّمَ، وَمُرَادُهُ بِالْعُرْفِ عُرْفُ الْمُحَاوَرَةِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ لَا عُرْفٌ طَارِئٌ بَعْدَهُمْ، وَهَذَا السِّرُّ هُوَ الْمُوجِبُ لِكَوْنِنَا لَمْ نَقُلْ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: 229] وَمَفْهُومِ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:"أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ"
وأما: الْأَوَّلُ؛ فَلِأَنَّ الْخُلْعَ لَا يَتَّفِقُ إلَّا فِي حَالَةِ الشِّقَاقِ، وَيَسْتَحِيلُ بِحُكْمِ الْعَادَةِ وُقُوعُهُ فِي حَالَةِ الْمُصَافَاةِ، وَمَا لَا يَقَعُ عُرْفًا فَلَيْسَ مِنْ غَرَضِ الشَّرْعِ بَيَانُهُ، فَقَدْ اسْتَوْعَبَ الشَّارِعُ كُلَّ مَحَلِّ الْحَاجَةِ، وَلَمْ يَقَعْ الْبَعْضُ عَنْ الْبَعْضِ، وَذِكْرُهُ اللُّحُوقَ ذِكْرُهُ لِمَحَلِّ الْحَاجَةِ إلَى الْبَيَانِ، وَهُوَ كُلُّ مَحَلِّ الْحَاجَةِ وأما: الْحَدِيثُ فَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ إمَّا أَنْ تُفَوِّضَ أَمَرَهَا لِلْوَلِيِّ لِحَيَائِهَا أَوْ تَسْتَقِلَّ لِزَوَالِ حَيَائِهَا أما: الْمُبَاشَرَةُ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ فَلَا تَقَعُ فِي الْعَادَةِ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ مَحَلِّ الْبَيَانِ فِي غَرَضِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَائِدَةٌ أُخْرَى: فِي التَّأْبِيرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما قَالَ:"أَبْصَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم النَّاسَ يُلَقِّحُونَ النَّخْلَ فَقَالَ: مَا لِلنَّاسِ؟ قَالُوا: يُلَقِّحُونَ. فَقَالَ: لَا لِقَاحَ - أَوْ لَا أَدْرِي اللِّقَاحَ شَيْئًا، فَقَالَ: فَتَرَكُوا اللِّقَاحَ، فَخَرَجَ ثَمَرُ النَّاسِ شِيصًا، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: مَا شَأْنُهُ؟ قَالُوا: كُنْتَ نَهَيْتَ عَنْ اللِّقَاحِ، فَقَالَ: مَا أَنَا بِزَارِعٍ وَلَا صَاحِبِ نَخْلٍ لَقِّحُوا"أَوْرَدَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْحَازِمِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي كِتَابِهِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ لِتَضَمُّنِهِ النَّهْيَ عَنْ اللِّقَاحِ ثُمَّ الْإِذْنَ فِيهِ، وَنَقَلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ قَوْلَهُ:"لَا لِقَاحَ"صِيغَةٌ تَدُلُّ عَلَى النَّهْيِ وَأَنَّ لِلشَّارِعِ أَنْ يَتَحَكَّمَ فِي أَفْعَالِ الْعِبَادِ كَيْفَ أَرَادَ، وَلِهَذَا قَالُوا لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: كُنْتَ نَهَيْتَ عَنْ اللِّقَاحِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ، وَمَالَ الْحَازِمِيُّ إلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ، وَلِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى:"إنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا فَلَا تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ، وَلَكِنْ إذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى شَيْئًا فَخُذُوا بِهِ، فَإِنَّنِي لَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ"ثُمَّ قَالَ الْحَازِمِيُّ: وَعَلَى الْجُمْلَةِ: الْحَدِيثُ يَحْتَمِلُ كِلَا الْمَذْهَبَيْنِ، وَلِذَلِكَ أَبْقَيْنَا يَعْنِي فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَإِنْ بَاعَ فُحَّالًا وَعَلَيْهِ طَلْعٌ لَمْ يَتَشَقَّقْ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أحدهما: أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي بَيْعِ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الطَّلْعِ مَقْصُودٌ مَأْكُولٌ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، فَلَمْ يَتْبَعْ الْأَصْلَ كَالتِّينِ والثاني: أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي بَيْعِ الْأَصْلِ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ طَلْعٌ لَمْ يَتَشَقَّقْ، فَدَخَلَ فِي بَيْعِ الْأَصْلِ كَطَلْعِ الْإِنَاثِ وَمَا قَالَهُ الْأَوَّلُ لَا"
يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مَا فِيهِ وَهُوَ الْكُشُّ الَّذِي يُلَقِّحُ بِهِ الْإِنَاثَ وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ، فَدَخَلَ فِي بَيْعِ الْأَصْلِ كَطَلْعِ الْإِنَاثِ"."
الشرح: الْفُحَّالُ بِضَمِّ الْفَاءِ وَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ مُشَدَّدَةٍ، وَآخِرُهُ لَامٌ: ذَكَرُ النَّخْلِ، وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: الْفُحَّالُ فُحَّالُ النَّخْلِ وَهُوَ مَا كَانَ مِنْ ذُكُورِهِ فَحْلًا لِإِنَاثِهِ، قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وَهُوَ فُحَّالُ النَّخْلِ وَلَا يُقَالُ: فَحْلٌ، وَلِذَلِكَ اعْتَرَضَ مُعْتَرِضٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ: وَإِنْ كَانَ فِيهَا فُحُولٌ، فَقَالَ هَذَا الْمُعْتَرِضُ: إنَّ هَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ فِي النَّخْلِ فَحْلٌ، وَلَا فِي جَمْعِهِ فُحُولٌ، وَإِنَّمَا يُقَالُ