فهرس الكتاب
ج / 11 ص -62- أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَا ظَهَرَ قَدْ بَلَغَ أَوَانَ الْجَذِّ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَأَطْلَقَا ذَلِكَ الْحُكْمَ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيعٍ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَذْكُرَا الْوَجْهَ الثَّانِيَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَاسْتَثْنَيَا مِنْ ذَلِكَ الْقَصَبَ، فَإِنَّهُ لَا يُكَلَّفُ قَطْعَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَا ظَهَرَ قَدْرًا يُنْتَفَعُ بِهِ، وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: الْقَصَبُ الْفَارِسِيُّ إذَا كَانَ لِلْبَائِعِ لَمْ يَلْزَمْهُ نَقْلُهُ وَتَحْوِيلُهُ إلَى وَقْتِ قَطْعِهِ فِي الْعَادَةِ، وَهُوَ زَمَانُ الشِّتَاءِ فَإِنَّهُ إنْ قُطِعَ قَبْلَ ذَلِكَ الْوَقْتِ تَلِفَ، وَلَا يَصْلُحُ لِشَيْءٍ، وَكَذَلِكَ الرُّويَانِيُّ وَالْجُرْجَانِيُّ قَالَا: إنَّ الْبَائِعَ يُمَكَّنُ حَتَّى يَقْطَعَهُ إذَا جَاءَ وَقْتُهُ؛ لِأَنَّ لَهُ وَقْتًا يُقْطَعُ فِيهِ
وَلَكَ أَنْ تَقُولَ إشْكَالًا عَلَى الرَّافِعِيِّ: إنَّهُ إذَا كَانَ الْبَيْعُ يَجِبُ فِيهِ شَرْطُ الْقَطْعِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَامًّا فِيمَا يُنْتَفَعُ بِهِ وَمَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ عَامًّا فَيَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مَحَلُّهُ فِيمَا يُنْتَفَعُ بِهِ فَلَا وَجْهَ لِاسْتِثْنَاءِ الْقَصَبِ وَحْدَهُ بَلْ كُلُّ مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ، وَالْقَوْلُ بِوُجُوبِ شَرْطِ الْقَطْعِ فِيمَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ بَعِيدٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ بَيْعَ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ إنَّمَا يَجُوزُ بَيْعُهَا بِشَرْطِ الْقَطْعِ إذَا كَانَ الْمَقْطُوعُ مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ.فَإِنْ قُلْتَ: ذَاكَ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ شَرْطٌ فِي الْبَيْعِ وَالْمَقْطُوعُ هُنَا غَيْرُ مَبِيعٍ قلت: لَكِنَّهُ فِيهِ إضَاعَةُ مَالٍ فَيَمْتَنِعُ شَرْطُهُ لِذَلِكَ، نَعَمْ قَدْ يُقَالُ إنَّ هَذَا يَجِبُ قَطْعُهُ وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي عَلَى أَصْلِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ إبْقَاؤُهُ وَإِذَا لَمْ يَلْزَمْ فَيَجُوزُ اشْتِرَاطُ قَطْعِهِ وَفَوَاتُ مَالِيَّتِهِ مُقَابِلٌ لِمَا يَحْصُلُ لِلْبَائِعِ مِنْ ثَمَنِ الْمَبِيعِ، فَقَدْ يَكُونُ لَهُ غَرَضٌ فِي اغْتِفَارِ ذَلِكَ بِإِزَائِهِ، وَهَذَا الْإِشْكَالُ الثَّانِي بِعَيْنِهِ لَازِمٌ لِصَاحِبِ التَّتِمَّةِ وَالشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ، وَلَكِنَّ الشَّيْخَ أَبَا حَامِدٍ لَيْسَ فِي كَلَامِهِ تَصْرِيحٌ بِقَصْرِ ذَلِكَ عَلَى الْقَصَبِ، فَلَعَلَّهُ يَقُولُ بِهِ فِي كُلِّ مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ إذَا قُطِعَ، بِخِلَافِ صَاحِبِ التَّتِمَّةِ، فَإِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الزَّرْعِ فِي ذَلِكَ
وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ أَبِي حَامِدٍ الْمُتَقَدِّمِ جَوَابٌ عَلَى ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ: إنَّ لِلْقَصَبِ وَقْتًا يُقْطَعُ فِيهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي تَشْبِيهَهُ بِالزَّرْعِ الَّذِي يَجِبُ إبْقَاؤُهُ لِمَا قَدَّمَهُ الرُّويَانِيُّ فِي الْفَرْقِ مِنْ الْمَعْنَى، أَنَّ لَهُ وَقْتَ نِهَايَةٍ، وَالرَّطْبَةُ لَيْسَ لَهَا وَقْتُ نِهَايَةٍ، لَكِنَّ ذَلِكَ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الرَّطْبَةِ وَالْقَصَبِ الْفَارِسِيِّ لَهُ وَقْتٌ يُؤْخَذُ فِيهِ فِي الْعَادَةِ، وَيَزِيدُ بَعْدَهُ بِخِلَافِ الزُّرُوعِ الَّتِي بَعْدَ وَقْتِ أَخْذِهَا لَا تَزِيدُ شَيْئًا، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
فرع: مِنْ الْبُقُولِ مَا يَبْقَى أَصْلُهُ سِنِينَ وَهُوَ الَّذِي تَجْرِي فِيهِ الْأَحْكَامُ الْمُتَقَدِّمَةُ، وَمِنْهُ مَا يَبْقَى سَنَةً وَاحِدَةً يَجِيءُ مُدَّةً بَعْدَ مُدَّةٍ فِي السَّنَةِ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: حُكْمُ هَذَا عِنْدِي حُكْمُ الزَّرْعِ، كُلُّهُ لِلْبَائِعِ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ، فَهَذَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي هَذَا الْقِسْمِ الثَّانِي، وَهُوَ مَا يُجَذُّ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي نَظِيرِهِ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَهُوَ مَا يُثْمِرُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، لَكِنْ فِي عَامٍّ وَاحِدٍ كَالْبِطِّيخِ وَالْخِيَارِ وَالْقِثَّاءِ ذَكَرَ فِيهَا وَجْهَيْنِ: أحدهما: وَهُوَ قَوْلُ الْبَغْدَادِيِّينَ أَنَّهُ فِي حُكْمِ الشَّجَرِ، فَيَكُونُ لِلْبَائِعِ مِنْ ثَمَرَتِهِ مَا قَدْ ظَهَرَ، وَلِلْمُشْتَرِي الْأَصْلُ وَمَا يَظْهَرُ والوجه الثاني: وَهُوَ قَوْلُ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّهُ فِي حُكْمِ الزَّرْعِ، فَيَكُونُ لِلْبَائِعِ أَصْلُهُ وَثَمَرُهُ؛ لِأَنَّهُ زَرْعُ عَامٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ تَفَرَّقَ لِقَاطُ ثَمَرِهِ، وَالشَّجَرُ مَا بَقِيَ أَعْوَامًا وَأُلْحِقَ بِهِ مَا بَقِيَ أَعْوَامًا كَالْعَلَفِ، وَلَمْ يُلْحَقْ بِهِ مَا بَقِيَ عَامًا وَاحِدًا، وَالرُّويَانِيُّ جَزَمَ الْقَوْلَ فِيمَا يُجَذُّ دَفْعَةً بَعْدَ أُخْرَى بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ مَا يَبْقَى مُدَّةً يَسِيرَةً كَالْهِنْدَبَا وَالْجِرْجِيرِ، وَمَا يَبْقَى سِنِينَ وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ