فهرس الكتاب

الصفحة 3740 من 4102

ج / 11 ص -64- وَلَمْ يَتَرَجَّحْ عِنْدِي هَذَا الِاحْتِمَالُ عَلَى الَّذِي قَبْلَهُ لَكِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْفَرْخَ الْحَادِثَ بَعْدَ الْبَيْعِ لِلْمُشْتَرِي، لِقَوْلِهِ: إنَّ مَا خَرَجَ مَرَّةً أُخْرَى لَيْسَ لِلْبَائِعِ، فَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ الْفَرْخَ فَذَاكَ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ ثَمَرَتَهُ فَيَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الثَّمَرَةِ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ لَهُ، وَهَذَا لَا شَكَّ فِيهِ فِي أَنَّ الْفَرْخَ الْحَادِثَ بَعْدَ الْبَيْعِ لِلْمُشْتَرِي، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّ أَصْلَ شَجَرِ الْمَوْزِ الَّذِي هُوَ مُسْتَقِرٌّ فِي الْأَرْضِ يَدْخُلُ فِي بَيْعِهَا؛ لِأَنَّ الْفَرْخَ الَّذِي حَكَمْنَا بِكَوْنِهِ لِلْمُشْتَرِي يَنْبُتُ مِنْهُ.

وأما: الْفَرْخُ الْمَوْجُودُ وَقْتَ الْعَقْدِ وَهُوَ يَنْبَنِي عَلَى الِاحْتِمَالَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْتُهُمَا فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه فِي قَوْلِهِ: فَلَهُ مَا خَرَجَ مِنْ الْمَوْزِ قَبْلَ بَيْعِهِ إنْ كَانَ مُرَادُهُ الثَّمَرَةَ؛ فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ الشَّجَرَةَ نَفْسَهَا فَيَشْمَلُ الْأُمَّ وَفِرَاخَهَا، وَكَلَامُ الْجُورِيِّ يَشْهَدُ لِلتَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ قَالَ فِي مَعْرِضِ نَقْلِ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ: فَإِنْ بَاعَهُ أَرْضًا وَفِيهَا مَوْزٌ فَلِلْبَائِعِ مَا خَرَجَ مِنْ الْمَوْزِ، وَلَيْسَ لَهُ مَا يَخْرُجُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَا مَا لَا تُخْرِجُ أَوْلَادُهُ الَّتِي إلَى جَنْبِهِ، فَقَوْلُهُ: وَلَا مَا تُخْرِجُ أَوْلَادُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ فِي الثَّمَرَةِ فَإِنْ أَلْحَقْنَا ذَلِكَ بِالرَّطْبَةِ اقْتَضَى أَنْ لَا يَدْخُلَ شَيْءٌ مِمَّا ظَهَرَ فِي الْبَيْعِ لَا الْأُمُّ وَلَا فِرَاخُهَا، كَمَا ذَلِكَ مُقْتَضَى هَذَا الِاحْتِمَالِ وَلِذَلِكَ لَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ عَلَيْهِ جَزْمًا كَمَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي بَابِ الْمُسَاقَاةِ، وَإِنْ أَلْحَقْنَاهُ بِالشَّجَرِ اقْتَضَى دُخُولَهُمَا.

وَقَدْ يُقَالُ: تَلْحَقُ الْأُمُّ بِالرَّطْبَةِ لِقُرْبِ قَطْعِهَا، وَأَمَّا الْفَرْخُ فَإِنَّهُ يُقْصَدُ بَقَاؤُهُ حَتَّى تُقْطَعَ الْأُمُّ، وَيَكْبُرَ وَتَحْدُثَ ثَمَرَتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَكَذَلِكَ يَقُولُ: إنَّ الْفَرْخَ يَدْخُلُ لِشَبَهِهِ بِالشَّجَرِ فِي كَوْنِهِ مَقْصُودَ الْبَقَاءِ، وَالْأُمُّ لَا تَدْخُلُ كَمَا يَقْتَضِي ذَلِكَ كَلَامُ الْمَاوَرْدِيُّ، فَنَظَرْتُ فِي هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ الثَّلَاثَةِ أَيُّهَا أَرْجَحُ، فَوَجَدْتُ أَرْجَحَهَا عَلَى مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ أَنَّهُمَا يَدْخُلَانِ - الْأُمُّ وَالْفِرَاخُ - كَمَا قَالَهُ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ، فَإِنَّ الَّذِي بَلَغَنِي مِنْ حَالِ الْمَوْزِ مِمَّنْ لَهُ فِيهِ مَعْرِفَةٌ يُخَالِفُ حَالَ الرَّطْبَةِ، فَإِنَّ شَجَرَةَ الْمَوْزِ يَنْبُتُ إلَى جَانِبِهَا مِنْ أَصْلِهَا فِرَاخٌ فَإِذَا تَكَامَلَ حَمْلُ الشَّجَرَةِ الْأَصْلِيَّةِ قُطِعَ عُرْجُونُ الْمَوْزِ مَعَ شَيْءٍ مِنْ رَأْسِ الشَّجَرَةِ، وَيَبْقَى بَقِيَّتُهَا لِأَجْلِ تَرْبِيَةِ الْفَرْخِ، وَإِنَّهُ مَتَى قُطِعَتْ كُلُّهَا يَمُوتُ الْفَرْخُ، فَتُبْقَى لِأَجَلِهِ حَتَّى يَتَكَامَلَ الْفَرْخُ وَتَجِفَّ هِيَ، وَتَتَسَاقَطَ بِنَفْسِهَا إلَى الْأَرْضِ، فَيَخْلُفَهَا ذَلِكَ الْفَرْخُ وَيَطْرَحَ الْمَوْزَ، وَهَكَذَا عَلَى التَّرْتِيبِ لَا بُدَّ مِنْ بَقَاءِ الْأُمِّ لِتَرْبِيَةِ أَوْلَادِهَا، وَلَا يَكُونُ مِنْ أَوْلَادِهَا إلَّا وَاحِدٍ وَيُقْطَعُ الْبَاقِي لِئَلَّا يَضُرَّ بِأُمِّهِ وَيَشْرَبَ مَاءَهَا.

فَإِذَا عَلِمْتَ أَنَّ شَجَرَةَ الْمَوْزِ لَا يُمْكِنُ قَطْعُهَا مِنْ أَصْلِهَا لِإِفْسَادِ فَرْخِهَا، وَأَنَّ فَرْخَهَا لَا يُنْتِجُ بِدُونِهَا، ظَهَرَ لَك الْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الرَّطْبَةِ، فَإِنَّهُ لَوْ قُلْنَا لِلْبَائِعِ: أَنْ يَقْطَعَ مَا ظَهَرَ مِنْ الْمَوْزِ وَيُبْقِي الْجَذْرَ فِي الْأَرْضِ وَحْدَهُ، لَمْ يَنْبُتْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْهُ شَيْءٌ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ الْمُشْتَرِي فَلَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِعَدَمِ دُخُولِهَا فِي الْبَيْعِ لِذَلِكَ، وَلِذَلِكَ لَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِعَدَمِ دُخُولِهَا فِي الْأُمِّ وَدُخُولِ الْفَرْخِ، لِأَنَّهُ كَأَنْ يَكُونَ لِلْبَائِعِ قَطْعُ الْأُمِّ فَيَتْلَفَ الْفَرْخُ، فَلَا بُدَّ مِنْ إبْقَائِهِمَا، وَهُوَ قَوْلُ صَاحِبِ التَّهْذِيبِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَ الْمَاوَرْدِيُّ بِالْفَرْخِ الَّذِي يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي، مَا حَدَثَ بَعْدَ الْبَيْعِ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ أَنَّهُ دَاخِلٌ فِي الْعَقْدِ تَوَسُّعًا فِي الْعِبَارَةِ، وَوَقَعَ فِي كَلَامِ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّ الْفَرْخَ يَحْمِلُ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ، وَقَدْ أَخْبَرَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُقِيمُ سَنَةً بَلْ تَارَةً تَكُونُ إقَامَتُهُ شَهْرَيْنِ، وَتَارَةً أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَلَعَلَّ مُرَادَ الْمَاوَرْدِيُّ بِالسَّنَةِ الْمُدَّةُ الَّتِي تَبْقَى فِيهَا كَمَا يُقَالُ سَنَةَ الزَّرْعِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُرَادُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت