فهرس الكتاب
ج / 11 ص -65- حَوْلٌ كَامِلٌ، وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ الْمَوْزَ نَوْعٌ غَرِيبٌ لَمْ يَشْمَلْهُ التَّقْسِيمُ، لِأَنَّ لَهُ أَصْلًا ثَابِتًا، وَلَا يَحْمِلُ إلَّا مَرَّةً، وَيَسْتَمِرُّ جَذْرُهُ فِي الْأَرْضِ سِنِينَ وَلَا يُجَذُّ كَالرَّطْبَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ جَزَرٌ أَوْ سِلْقٌ أَوْ ثُومٌ أَوْ فُجْل أَوْ بَصَلٌ، قَالَ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ: لَا يَدْخُلُ شَيْءٌ مِنْهَا فِي بَيْعِ الْأَرْضِ، يَعْنِي وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ حُكْمِ التَّقْسِيمِ الَّذِي سَيَأْتِي، وَهُوَ الزَّرْعُ الَّذِي لَا يَحْمِلُ إلَّا مَرَّةً، وَكَذَلِكَ الرَّافِعِيُّ، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ الْبَصَلَ، وَلَوْ بَاعَ أَرْضًا فِيهَا جَزَرٌ أَوْ فُجْلٌ بِجَزَرِهَا وَفُجْلِهَا نَقَلَ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ الْإِفْصَاحِ وَجْهَيْنِ أَحَدِهِمَا: لَا يَجُوزُ والثاني: يَجُوزُ تَبَعًا.
فرع: هَذِهِ الْأَحْكَامُ الَّتِي تَقَدَّمَتْ كُلُّهَا فِيمَا إذَا أَطْلَقَ الْبَيْعَ، أَمَّا لَوْ بَاعَ الْأَرْضَ وَشَرَطَ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي مَا يَحْصُدُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى كَالْبُقُولِ، فَلِلْمُشْتَرِي الْفُرُوعُ وَالْعُرُوقُ، قَالَهُ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ، وَفَرَّقَ بَيْنَ هَذِهِ حَيْثُ يَقُولُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ: لَا يَدْخُلُ مَا ظَهَرَ مِنْهَا، وَبَيْنَ الشَّجَرِ، بِأَنَّ هَذِهِ لَا تُرَدُّ لِلدَّوَامِ، وَهِيَ نَمَاءٌ ظَاهِرٌ، فَصَارَتْ كَالثَّمَرَةِ الْمُؤَبَّرَةِ، وَالشَّجَرَةُ تُرَادُ لِلدَّوَامِ فَاسْتَوَى فَرْعُهَا وَأَصْلُهَا، وَصَارَ الْجَمِيعُ لِلْمُشْتَرِي.
الْقِسْمُ الثَّانِي: مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ. وَهُوَ الثَّالِثُ مِنْ التَّقْسِيمِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ أَوَّلًا. مَا لَا يَحْمِلُ إلَّا مَرَّةً كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالْبَاقِلَا وَالْكَتَّانَ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْأَرْضِ إلَّا بِالشَّرْطِ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ. وَالطَّلْعُ الْمُؤَبَّرُ الَّذِي جَعَلَهُ مَقِيسًا عَلَيْهِ ثَبَتَ حُكْمُهُ بِالْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ:"مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ".
وَقَوْلُهُ نَمَاءٌ ظَاهِرٌ: احْتِرَازٌ مِنْ الطَّلْعِ الَّذِي لَمْ يُؤَبَّرْ وقوله: لَا يُرَادُ لِلْبَقَاءِ احْتِرَازٌ مِنْ الْغِرَاسِ إذَا قُلْنَا يَدْخُلُ فِي بَيْعِ الْأَرْضِ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَالرَّافِعِيُّ رحمه الله: اقْتَصَرَ عَلَى التَّعْلِيلِ بِعَدَمِ الدَّوَامِ وَالثَّبَاتِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: فَإِنْ قِيلَ: الثَّمَرَةُ قَبْلَ التَّأْبِيرِ مُسْتَبْقَاةٌ لِكَامِلِ الْمَنْفَعَةِ لَمْ تُجْنَ وَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي الْبَيْعِ؟ فَهَلَّا كَانَ الزَّرْعُ مِثْلَهَا؟ قِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الثَّمَرَةَ حَادِثَةٌ مِنْ خِلْقَةِ الْأَصْلِ الْمَبِيعِ، وَالزَّرْعُ مُسْتَوْدَعٌ فِي الْأَرْضِ بِفِعْلِ الْآدَمِيِّ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَرْضَ يَدْخُلُ فِيهَا الْمَعْدِنُ لِأَنَّهُ خِلْقَةٌ فِي الْأَرْضِ، وَلَا يَدْخُلُ فِيهَا الرِّكَازُ لِأَنَّهُ مُسْتَوْدَعٌ فِيهَا
وَاعْلَمْ أَنَّ التَّرْجَمَةَ عَنْ هَذَا الْقِسْمِ تَشْمَلُ الْمَوْزُ لِأَنَّهُ نَبَاتٌ لَا يَحْمِلُ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، لَكِنْ لَا قَائِلَ بِأَنَّ جَذْرَهُ الثَّابِتَ فِي الْأَرْضِ لَا يَدْخُلُ، بِخِلَافِ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ، فَالْمُرَادُ حِينَئِذٍ بِهَذَا الْقِسْمِ مَا لَا يَحْمِلُ إلَّا مَرَّةً، وَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ ثَابِتٌ فِي الْأَرْضِ، وَبِذَلِكَ يَخْرُجُ الْمَوْزُ، فَإِنَّ لَهُ أَصْلًا ثَابِتًا، مِنْهُ تَنْبُتُ الْفِرَاخُ، وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ فِي الْقِسْمِ الْحَاضِرِ: النَّبَاتُ إمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ أَصْلٌ ثَابِتٌ فِي الْأَرْضِ أَوْ لَا، فَالْأَوَّلُ إمَّا أَنْ يَكُونَ يَحْمِلُ مَرَّةً وَاحِدَةً كَالْمَوْزِ، أَوْ مَرَّاتٍ، فَأَمَّا فِي عَامٍ وَاحِدٍ كَالْبِطِّيخِ، أَوْ فِي أَكْثَرَ كَالرَّطْبَةِ، وَسَائِرِ مَا يُجَذُّ وَيُثْمِرُ مَرَّاتٍ، وَاَلَّذِي لَا بَقَاءَ لِأَصْلِهِ هُوَ الزَّرْعُ، فَالْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ وَشِبْهُهُمَا. أَوْ نَقُولُ: النَّابِتُ إمَّا أَنْ يُثْمِرَ وَيُجَذَّ مَرَّاتٍ. أَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً فَالْأَوَّلُ إمَّا فِي عَامٍ وَاحِدٍ أَوْ فِي أَعْوَامٍ، وَالثَّانِي إمَّا أَنْ يَبْقَى أَصْلُهُ كَالْمَوْزِ أَوْ لَا يَبْقَى كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَفِي بَيْعِ الْأَرْضِ طَرِيقَانِ: مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: فِيهِ قَوْلَانِ، لِأَنَّهَا فِي يَدِ الْبَائِعِ إلَى أَنْ يُحْصَدَ الزَّرْعُ، فَكَانَ فِي بَيْعِهَا قَوْلَانِ كَالْأَرْضِ الْمُسْتَأْجَرَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ"