فهرس الكتاب
ج / 11 ص -68- الْيَدِ فِيهَا، وَحَكَاهُ غَيْرُ الْإِمَامِ أَيْضًا.
وَحَكَى الْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ وَجْهًا أَنَّ الْيَدَ تَثْبُتُ فِي الدَّارِ وَلَا تَثْبُتُ فِي الْأَرْضِ فَيَجْتَمِعُ مِنْ نَقْلِهِ وَنَقْلِ الْإِمَامِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ، وَوَجْهُ الْفَرْقِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَحْكِيِّ فِي الْبَسِيطِ أَنَّ التَّشَاغُلَ بِالتَّفْرِيغِ مُمْكِنٌ، فَنَزَلَ الْمُمْكِنُ الَّذِي لَا عُسْرَ فِيهِ مَنْزِلَةَ الْمَوْجُودِ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَلَعَلَّ الْقَائِلَ بِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ التَّسْلِيمُ هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ، فَلَا يَصِحُّ إبْطَالُ مَذْهَبِهِ، يَعْنِي فِي الْبَيْعِ إلَّا بِإِقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّةِ الْقَبْضِ، وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ فِي صِحَّةِ تَسْلِيمِ الْأَرْضِ الْمَزْرُوعَةِ يُؤْخَذَانِ مِنْ لَفْظِ الْكِتَابِ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي تَعْلِيلِ الطَّرِيقَةِ الْأُولَى أَنَّهَا فِي يَدِ الْبَائِعِ وَفِي تَعْلِيلِ الثَّانِيَةِ أَنَّ الْمَبِيعَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي وَقَدْ يَقُولُ الْفَقِيهُ: هَذَانِ التَّعْلِيلَانِ مُتَصَادِمَانِ.
والجواب: أَنَّ ذَلِكَ يُحْتَمَلُ، إذَا كَانَ فِي أَحَدِ الْكَلَامَيْنِ زِيَادَةٌ كَمَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، فَإِنَّ فِي تَعْلِيلِ الطَّرِيقَةِ الثَّانِيَةِ مَا يُنَبِّهُ عَلَى دَفْعِ خَيَالِ التَّعْلِيلِ الْأَوَّلَ، وَتَبَيَّنَ أَنَّ قَوْلَهُ: إنَّهَا فِي يَدِ الْبَائِعِ لَيْسَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ الْمَبِيعَ هُوَ الْعَيْنُ، وَالْعَيْنُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، وَدُخُولُ الْبَائِعِ لِأَجْلِ السَّقْيِ وَالْحَصَادِ الْمُتَعَلِّقَيْنِ بِالزَّرْعِ خَاصَّةً لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْيَدِ عَلَى الْعَيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
تَنْبِيهٌ: مَنْ قَالَ بِصِحَّةِ تَسْلِيمِهَا مَزْرُوعَةً لَا شَكَّ أَنَّهُ يَقُولُ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ، وَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَقُولَ بِتَخْرِيجِهَا عَلَى الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ كَمَا قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجْزِمَ بِالصِّحَّةِ وَيُفَرَّقُ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْعَيْنَ الْمُسْتَأْجَرَةَ عَلَيْهَا يَدٌ حَائِلَةٌ، وَالْأَرْضُ الْمَزْرُوعَةُ فِي يَدِ بَائِعِهَا، لَكِنَّهُ قَدْ يَكُونُ الزَّرْعُ لِغَيْرِ الْبَائِعِ وَهُوَ مُسْتَحَقُّ الْإِبْقَاءِ فَيُسَاوِي يَدَ الْإِجَارَةِ.
فرع: لَوْ انْقَلَعَ الزَّرْعُ قَبْلَ الْمُدَّةِ لِحَاجَةٍ أَوْ جَذَّهُ الْبَائِعُ قَبْلَ وَقْتِ حَصَادِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ تَسْلِيمُ الْأَرْضِ، وَلَيْسَ لَهُ اسْتِبْقَاءُ الْأَرْضِ مَا بَقِيَ مُدَّةَ الزَّرْعِ، لِأَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ مِنْ الْأَرْضِ مَا كَانَ صَالِحًا لِذَلِكَ الزَّرْعِ، قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْأَصْحَابُ، وَلَوْ كَانَ الزَّرْعُ مِمَّا لَوْ جُذَّ قَبْلَ حَصَادِهِ قَوِيَ أَصْلُهُ وَاسْتَخْلَفَ، وَفَرَّخَ كَالدُّخْنِ فَجَذَّهُ قَبْلَ حَصَادِهِ كَانَ لَهُ اسْتِبْقَاءُ الْأَصْلِ الْبَاقِي إلَى أَوَانِ الْحَصَادِ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ الزَّرْعِ، وَلَيْسَ لَهُ اسْتِيفَاءُ مَا اسْتَخْلَفَ وَفَرَّخَ بَعْدَ الْحَصَادِ، لِأَنَّهُ غَيْرُ ذَلِكَ الزَّرْعِ، وَعَلَى الْبَائِعِ قَلْعُهُ، وَلَا يَمْلِكُهُ الْمُشْتَرِي كَمَا يَمْلِكُ أَصْلَ الْقَتِّ الَّذِي يُجَذُّ مَرَّةً، لِأَنَّ الْقَتَّ أَصْلٌ ثَابِتٌ، وَالزَّرْعَ فَرْعٌ زَائِلٌ، وَاسْتِخْلَافُ بَعْضِهِ نَادِرٌ، قَالَ ذَلِكَ الْمَاوَرْدِيُّ.
فرع: قَالَ الرَّافِعِيُّ: كُلُّ زَرْعٍ لَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ لَا يَدْخُلُ، وَإِنْ قَالَ: بِعْتُ الْأَرْضَ بِحُقُوقِهَا، يُحْكَى ذَلِكَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَرَأَيْتُهُ لِمَنْصُورٍ التَّمِيمِيِّ فِي الْمُسْتَعْمَلِ أَيْضًا قلت: وَقَدْ رَأَيْتُ ذَلِكَ فِي تَعْلِيقِ أَبِي حَامِدٍ فِي بَيْعِ الْقَرْيَةِ أَنَّهُ إذَا قَالَ: بِمَزَارِعِهَا دَخَلَتْ الْمَزَارِعُ، وَإِنْ قَالَ بِحُقُوقِهَا لَمْ تَدْخُلْ الْمَزَارِعُ، كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِيمَا تَقَدَّمَ وأما: فِي الْأَرْضِ فَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ فِيهَا.
فرع: عِنْدَنَا لَا يُؤْمَرُ الْبَائِعُ بِقَطْعِ الزَّرْعِ الَّذِي لَهُ فِي الْحَالِ، بَلْ لَهُ إبْقَاؤُهُ إلَى أَوَانِ الْحَصَادِ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه فَعِنْدَهُ مَنْفَعَةُ الْأَرْضِ مُسْتَحَقَّةٌ لِلْمُشْتَرِي، فَلِذَلِكَ أَوْجَبَ الْقَطْعَ، وَعِنْدَنَا هِيَ مُسْتَحَقَّةٌ لِلْبَائِعِ، فَلِذَلِكَ لَمْ نُوجِبْهُ، وَأَوْجَبْنَا الْإِبْقَاءَ، وَعِنْدَ وَقْتِ الْحَصَادِ يُؤْمَرُ بِالْقَطْعِ