فهرس الكتاب

الصفحة 3753 من 4102

ج / 11 ص -77- قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"فَإِنْ أَصَابَ النَّخْلَ عَطَشٌ، وَخَافَ أَنْ تَشْرَبَ الثَّمَرَةُ الْمَاءَ مِنْ أَصْلِ النَّخْلِ فَيَهْلِكَ فَفِيهِ قَوْلَانِ أحدهما: لَا يُكَلَّفُ الْبَائِعُ قَطْعَ الثَّمَرَةِ، لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ دَخَلَ فِي الْعَقْدِ عَلَى أَنْ يَتْرُكَ الثِّمَارَ إلَى الْجِذَاذِ فَلَزِمَهُ تَرْكُهُ والثاني: أَنَّهُ يُكَلَّفُ قَطْعَهُ، لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ إنَّمَا رَضِيَ بِذَلِكَ إذَا لَمْ يَضُرَّ بِهِ، فَإِذَا أَضَرَّ بِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ تَرْكُهُ، فَإِنْ احْتَاجَ أَحَدُهُمَا إلَى سَقْيِ مَا لَهُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى الْآخَرِ ضَرَرٌ جَازَ لَهُ أَنْ يَسْقِيَهُ، لِأَنَّهُ إصْلَاحٌ لِمَا لَهُ مِنْ غَيْرِ إضْرَارٍ بِأَحَدٍ فَجَازَ، وَإِنْ كَانَ عَلَى الْآخَرِ ضَرَرٌ فِي السَّقْيِ وَتَشَاحَّا فَفِيهِ وَجْهَانِ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: يُفْسَخُ الْعَقْدُ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ فِي الْإِضْرَارِ فَوَجَبَ أَنْ يُفْسَخَ. وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: يُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ مِنْهُمَا لِأَنَّهُ حِينَ دَخَلَ فِي الْعَقْدِ رَضِيَ بِدُخُولِ الضَّرَرِ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ السَّقْيِ وَيَجِبُ أُجْرَةُ السَّقْيِ عَلَى مَنْ يَسْقِي لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ تَحْصُلُ لَهُ".

الشرح: تَقَدَّمَ أَنَّ الثَّمَرَةَ إذَا بَقِيَتْ لِلْبَائِعِ لَا يُكَلَّفُ قَطْعَهَا إلَى أَوَانِ الْجِذَاذِ، وَمِنْ ضَرُورَةِ ذَلِكَ أَنْ يُمَكَّنَ مِنْ سَقْيِهَا، فَيَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ تَمْكِينُهُ، وَقَدْ لَا يَسْقِي الْبَائِعُ فَيَحْصُلُ لِلْمُشْتَرِي الضَّرَرُ، وَقَدْ يَحْصُلُ الضَّرَرُ مِنْ السَّقْيِ أَيْضًا، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ تَفْصِيلَ ذَلِكَ فِي هَذَا الْفَصْلِ فِي مَسْأَلَتَيْنِ

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: إذَا عَطِشَتْ النَّخْلُ وَكَانَ قَدْ بَاعَهَا وَهِيَ مُؤَبَّرَةٌ وَأَبْقَيْنَا الثِّمَارَ لِلْبَائِعِ فَعَطِشَتْ النَّخِيلُ وَانْقَطَعَ الْمَاءُ، وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ سَقْيِهَا، وَكَانَ تَرْكُهَا عَلَى الْأُصُولِ يَضُرُّ بِالْأُصُولِ وَلَا يَضُرُّ بِالثَّمَرَةِ، فَإِنْ كَانَ الضَّرَرُ يَسِيرًا أُجْبِرَ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ، هَكَذَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ، وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه فِي الْأُمِّ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا بِأَنْ كَانَ يُخَافُ عَلَى الْأُصُولِ الْجَفَافُ أَوْ نُقْصَانُ حَمْلِهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ نُقْصَانًا كَثِيرًا، وَعَلَى ذَلِكَ يَجِبُ حَمْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، فَفِيهِ قَوْلَانِ مَنْصُوصَانِ فِي الْأُمِّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَحَكَاهُمَا الْأَصْحَابُ كَمَا حَكَاهُمَا الْمُصَنِّفُ نَقْلًا وَتَعْلِيلًا، وَعِبَارَةُ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ فَفِيهَا قَوْلَانِ ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ الْإِجْبَارِ، وَلَمْ أَرَهُ ذَكَرَ الْقَوْلَ الْآخَرَ، فَتَأَمَّلْتُ كَلَامَهُ إلَى آخِرِهِ تَأَمُّلًا كَثِيرًا. فَلَمْ أَفْهَمْ الثَّانِيَ مِنْهُ. فَلَعَلَّهُ تَرَكَهُ إمَّا لِوُضُوحِهِ أَوْ لِضَعْفِهِ.

وَالْأَصَحُّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ الثَّانِي: الْقَائِلُ بِالْإِجْبَارِ. وَمِمَّنْ صَحَّحَهُ الرُّويَانِيُّ وَابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ وَالنَّوَوِيُّ، وَرَجَّحَهُ الرُّويَانِيُّ بِأَنَّ ضَرَرَ الْأُصُولِ أَكْثَرُ وَجَزَمَ بِهِ الْفُورَانِيُّ. وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ تَصْحِيحَهُ عَنْ الْكَرْخِيِّ، وَصَحَّحَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ مَسْأَلَةَ السَّقْيِ وَقَسَّمَهَا تَقْسِيمًا حَسَنًا، وَهِيَ أَنَّ السَّقْيَ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُمْكِنًا أَوْ مُتَعَذِّرًا. فَإِنْ كَانَ مُتَعَذِّرًا فَإِمَّا لِإِعْوَازِ الْمَاءِ أَوْ لِفَسَادِ آلَتِهِ. فَإِنْ كَانَ لِإِعْوَازِ الْمَاءِ سَقَطَ حُكْمُ السَّقْيِ، ثُمَّ نَزَّلَ الثَّمَرَةَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ الأول: أَنْ يَكُونَ يَضُرُّ بِالثَّمَرَةِ وَالنَّخْلِ جَمِيعًا. فَقَطْعُ الثَّمَرَةِ وَاجِبٌ. وَلِصَاحِبِ النَّخْلِ إجْبَارُهُ. لِأَنَّ تَرْكَهَا مَضَرَّةٌ لِلنَّخْلِ بِلَا مَنْفَعَةٍ لَهُ والثاني: أَنْ لَا يَضُرَّ وَاحِدًا مِنْهُمَا فَلَهُ تَرْكُ الثَّمَرَةِ إلَى أَوَانِ الْجِذَاذِ الثالث: أَنْ يَضُرَّ بِالثَّمَرَةِ دُونَ النَّخْلِ الْمُثْمِرَةِ فَالْخِيَارُ الرابع: أَنْ يَضُرَّ بِالنَّخْلِ دُونَ الثَّمَرَةِ فَقَوْلَانِ. وَهَذَا الضَّرْبُ هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ.

وَإِنْ كَانَ تَعَذُّرُ السَّقْيِ لِفَسَادِ الْآلَةِ أَوْ الْمَجَارِي أَوْ طَمِّ الْآبَارِ فَأَيُّهُمَا لَحِقَهُ بِتَأْخِيرِ السَّقْيِ ضَرَرٌ كَانَ لَهُ إصْلَاحُ مَا يُوصِلُهُ إلَى الْمَاءِ. فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُضِرًّا بِالنَّخْلِ وَجَبَ عَلَى مُشْتَرِي النَّخْلِ أَنْ يُزِيلَ الضَّرَرَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت