ج / 1 ص -244- ثَابِتٌ فِيهَا، وَلَيْسَ فِي رِوَايَاتِهِمْ تَصْرِيحٌ بِمَسْحِ الرَّأْسِ ثَلَاثًا، وَقَدْ قَدَّمْتُ فِي الْفُصُولِ السَّابِقَةِ فِي مُقَدِّمَةِ الْكِتَابِ أَنَّ جُمْهُورَ الْمُحَدِّثِينَ صَحَّحُوا الِاحْتِجَاجَ بِرِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، وَأَنَّ الْمُصَنِّفَ قَطَعَ فِي كِتَابِهِ اللُّمَعِ بِأَنَّهُ لَا يُحْتَجُّ بِهِ لِاحْتِمَالِ الْإِرْسَالِ وَبَيَّنْتُ سَبَبَ الِاخْتِلَافِ فِيهِ هُنَاكَ وَاضِحًا. وَأَنَّ الصَّحِيحَ جَوَازُ الِاحْتِجَاجِ بِهِ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مَعْنَى:"أَسَاءَ وَظَلَمَ"فَقِيلَ: أَسَاءَ فِي النَّقْصِ وَظَلَمَ فِي الزِّيَادَةِ فَإِنَّ الظُّلْمَ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ وَوَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَقِيلَ عَكْسُهُ لِأَنَّ الظُّلْمَ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى النَّقْصِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا} [الكهف:23] وَقِيلَ: أَسَاءَ وَظَلَمَ فِي النَّقْصِ وَأَسَاءَ وَظَلَمَ أَيْضًا فِي الزِّيَادَةِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ لِأَنَّهُ ظَاهِرُ الْكَلَامِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِينَ فَمَنْ زَادَ فَقَدْ أَسَاءَ وَلَمْ يَذْكُرُوا النَّقْصَ.
أَمَّا حُكْمُ الْمسألة: فَقَالَ أَصْحَابُنَا إذَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ كُرِهَ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ وَلَا يَحْرُمُ هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ، قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: الْغَسْلَةُ الرَّابِعَةُ وَإِنْ كَانَتْ مَكْرُوهَةً فَلَيْسَتْ مَعْصِيَةً قَالَ: وَمَعْنَى أَسَاءَ تَرَكَ الْأَوْلَى وَتَعَدَّى حَدَّ السُّنَّةِ، وَظَلَمَ أَيْ: وَضَعَ الشَّيْءَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي التَّعْلِيقِ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه فِي"الأم"أُحِبُّ أَلَّا يَتَجَاوَزَ الثَّلَاثَ فَإِنْ جَاوَزَهَا لَمْ يَضُرَّهُ قَالَ أَبُو حَامِدٍ: وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ:"لَمْ يَضُرَّهُ"أَيْ: لَا يَأْثَمُ، قَالَ: وَأَصْحَابُنَا يَقُولُونَ: تَحْرُمُ الزِّيَادَةُ قَالَ: وَلَيْسَ الْمَذْهَبُ هَذَا وَالْمُرَادُ بِالْإِسَاءَةِ فِي الْحَدِيثِ غَيْرُ التَّحْرِيمِ لِأَنَّهُ يَسْتَعْمِلُ أَسَاءَ فِيمَا لَا إثْمَ فِيهِ، وَذَكَرَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ وَجْهًا فِي تَحْرِيمِ الزِّيَادَةِ قَالَ: وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الزِّيَادَةُ عَلَى الثَّلَاثِ لَا تُسَنُّ وَهَلْ تُكْرَهُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، قَالَ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ: لَا تُكْرَهُ وَقَالَ سَائِرُ أَصْحَابِنَا: تُكْرَهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ، هَذَا كَلَامُ الْمَاوَرْدِيُّ.
وَأَمَّا نَصُّ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه فِي"الأم"فَقَالَ: لَا أُحِبُّ الزِّيَادَةَ عَلَى ثَلَاثٍ فَإِنْ زَادَ لَمْ أَكْرَهْهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ. هَذَا لَفْظُ الشَّافِعِيِّ وَمَعْنَى لَمْ أَكْرَهْهُ أَيْ: لَمْ أُحَرِّمْهُ، فَحَصَلَ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أحدها: تَحْرُمُ الزِّيَادَةُ والثاني: لَا تَحْرُمُ وَلَا تُكْرَهُ لَكِنَّهَا خِلَافُ الْأُولَى وَالثَّالِثُ: وَهُوَ الصَّحِيحُ بَلْ الصَّوَابُ تُكْرَهُ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ، فَهَذَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِلْأَحَادِيثِ وَبِهِ قَطَعَ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَدْ أَشَارَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ إلَى نَقْلِ"الإجماع"عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَالَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ فِي كِتَابِ الْوُضُوءِ:"يُبَيِّنُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ فَرْضَ الْوُضُوءِ مَرَّةٌ، وَتَوَضَّأَ أَيْضًا مَرَّتَيْنِ وَثَلَاثًا وَلَمْ يَزِدْ قَالَ: وَكَرِهَ أَهْلُ الْعِلْمِ الْإِسْرَافَ فِيهِ، وَأَنْ يُجَاوِزَ فِعْلَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم".
فرع: الْمَشْهُورُ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ وَشُرُوحِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهَا لِأَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ أَنَّ قَوْلَهُ صلى الله عليه وسلم:"فَمَنْ زَادَ أَوْ نَقَصَ"مَعْنَاهُ زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ أَوْ نَقَصَ مِنْهَا وَلَمْ يَذْكُرْ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ مَعَ كَثْرَةِ كُتُبِهِمْ وَحِكَايَاتِهِمْ وَالْوُجُوهُ الْغَرِيبَةُ وَالْمَذَاهِبُ الْمَشْهُورَةُ وَالْمَهْجُورَةُ الرَّاجِحَةُ وَالْمَرْجُوحَةُ غَيْرُ هَذَا الْمَعْنَى، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِهِ السُّنَنِ الْكَبِيرِ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّقْصِ نَقْصُ الْعُضْوِ يَعْنِي لَمْ يَسْتَوْعِبْهُ. وَهَذَا تَأْوِيلٌ غَرِيبٌ ضَعِيفٌ مَرْدُودٌ، وَمُقْتَضَاهُ أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ فِي الْعُضْوِ. وَهِيَ غَسْلُ مَا فَوْقَ الْمِرْفَقِ وَالْكَعْبِ. إسَاءَةً وَظُلْمًا، وَلَا سَبِيلَ إلَى ذَلِكَ بَلْ هُوَ مُسْتَحَبٌّ كَمَا سَبَقَ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِمَّنْ نَصَّ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ وَعَقَدَ فِيهِ بَابَيْنِ أحدهما: بَابُ اسْتِحْبَابِ إمْرَارِ الْمَاءِ عَلَى الْعَضُدِ والثاني: بَابُ الْإِشْرَاعِ فِي