ج / 1 ص -243- وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى التَّيَمُّمِ وَمَسْحِ الْخُفِّ فَهُوَ أَنَّهُمَا رُخْصَةٌ فَنَاسَبَ تَخْفِيفَهُمَا، وَالرَّأْسُ أَصْلٌ فَإِلْحَاقُهُ بِبَاقِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ أُولَى. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: تَكْرَارُهُ يُؤَدِّي إلَى غَسْلِهِ فَلَا نُسَلِّمُهُ؛ لِأَنَّ الْغَسْلَ جَرَيَانُ الْمَاءِ عَلَى الْعُضْوِ، وَهَذَا لَا يَحْصُلُ بِتَكْرَارِ الْمَسْحِ ثَلَاثًا، وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْجُنُبَ لَوْ مَسَحَ بَدَنَهُ بِالْمَاءِ وَكَرَّرَ ذَلِكَ لَا تَرْتَفِعُ جَنَابَتُهُ بَلْ يُشْتَرَطُ جَرْيُ الْمَاءِ عَلَى الْأَعْضَاءِ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: خَرَقَ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه"الإجماع"فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ فَقَدْ سَبَقَ بِهِ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَعَطَاءٌ وَغَيْرُهُمَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ حِكَايَةِ ابْنِ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ هُوَ الْمَرْجُوعُ إلَيْهِ فِي نَقْلِ الْمَذَاهِبِ بِاتِّفَاقِ الْفِرَقِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
قال المُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى مَرَّةٍ وَأَسْبَغَ أَجْزَأَهُ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:"هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إلَّا بِهِ"."
الشرح: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَمِمَّنْ نَقَلَ"الإجماع"فِيهِ ابْنُ جَرِيرٍ فِي كِتَابِهِ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ وَآخَرُونَ، وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ أَوْجَبَ الثَّلَاثَ، وَحَكَاهُ صَاحِبُ الْإِبَانَةِ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَهَذَا مَذْهَبٌ بَاطِلٌ لَا يَصِحُّ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَلَوْ صَحَّ لَكَانَ مَرْدُودًا بِإِجْمَاعِ مَنْ قَبْلَهُ، وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ مِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما"تَوَضَّأَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَرَّةً مَرَّةً"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم غَسَلَ بَعْضَ أَعْضَائِهِ ثَلَاثًا وَبَعْضَهَا مَرَّتَيْنِ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ. أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ"، وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ وَهُوَ مَجْمَعٌ عَلَيْهِ وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ أَحَدٍ خِلَافُهُ. وَأَمَّا احْتِجَاجُ الْمُصَنِّفِ بِحَدِيثِ:"هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إلَّا بِهِ"فَبَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ سَبَقَ بَيَانُهُ وَالِاعْتِمَادُ عَلَى مَا ذَكَرْته مِنْ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَالْإِجْمَاعِ. وَقَوْلُهُ وَأَسْبَغَ أَيْ: عَمَّمَ الْأَعْضَاءَ وَاسْتَوْعَبَهَا، وَمِنْهُ دِرْعُ سَابِغَةٍ وَثَوْبٌ سَابِغٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"قَالَ خَالَفَ بَيْن الْأَعْضَاءِ فَغَسَلَ بَعْضَهَا مَرَّةً وَبَعْضَهَا مَرَّتَيْنِ وَبَعْضَهَا ثَلَاثًا جَازَ، لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا وَيَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ"."
الشرح: هَذَا الْحُكْمُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ هَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ طُرُقٍ هَكَذَا، وَفِيهِ زِيَادَةٌ حَسَنَةٌ وَهِيَ أَنَّهُ مَسَحَ رَأْسَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ لَائِقَةٌ هُنَا لِيَكُونَ الْحَدِيثُ جَامِعًا لِطَهَارَةِ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ مَرَّةً وَبَعْضِهَا مَرَّتَيْنِ وَبَعْضِهَا ثَلَاثًا كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ تَقَدَّمَ بَيَانه فِي مَسْحِ الرَّأْسِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"فَإِنْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ كُرِهَ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا الْوُضُوءُ فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَمَ"."
الشرح:أَمَّا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ هَذَا فَصَحِيحٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ. وَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ قَوْلُهُ: أَوْ نَقَصَ إلَّا رِوَايَةَ أَبِي دَاوُد فَإِنَّهُ