فهرس الكتاب
ج / 11 ص -94- الزُّرُوعُ: فَقَدْ أَدْرَجَهَا الْمُصَنِّفُ مَعَ الثِّمَارِ وَأَجْرَاهُمَا مَجْرًى وَاحِدًا، وَالْأَقْسَامُ الَّتِي فِي الثِّمَارِ عَائِدَةٌ بِعَيْنِهَا فِي الزُّرُوعِ.
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: أَنْ يَبِيعَهَا مُفْرَدَةً عَنْ الْأَرْضِ مِنْ غَيْرِ مَالِكِ الْأَرْضِ قَبْلَ الِاشْتِدَادِ، فَإِنْ بَاعَهَا بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ أَوْ مُطْلَقًا بَطَلَ لِلْحَدِيثِ، وَهُوَ قَوْلُهُ:"وَعَنْ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ وَيَأْمَنَ الْعَاهَةَ"وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ:"وَعَنْ بَيْعِ الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ"وَقِيَاسُ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَتَجْوِيزِهِ الْبَيْعَ فِي الثِّمَارِ مُطْلَقًا: أَنْ يُجَوِّزَهُ فِي الزُّرُوعِ أَيْضًا، وَإِنْ بَاعَهَا بِشَرْطِ الْقَطْعِ جَازَ عِنْدَنَا وَعِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الثِّمَارِ، وَخَالَفَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى كَمَا خَالَفَا هُنَاكَ فَقَالَا: لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا، وَاتَّفَقَ هَؤُلَاءِ الْعُلَمَاءُ الْمَشْهُورُونَ وَسُفْيَانُ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى أَيْضًا: عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الزَّرْعِ فِي السُّنْبُلِ وَالْقَصِيلِ، يَمْتَنِعُ بَيْعُ الْقَصِيلِ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْقَطْعِ.
وَخَالَفَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ فَجَوَّزَهُ تَمَسُّكًا بِأَنَّ النَّهْيَ إنَّمَا وَرَدَ عَنْ السُّنْبُلِ، قَالَ: وَلَمْ يَأْتِ فِي مَنْعِ بَيْعِ الزَّرْعِ مُنْذُ يَنْبُتُ إلَى أَنْ يُسَنْبِلَ نَصٌّ أَصْلًا، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ عِكْرِمَةَ عَنْ بَيْعِ الْقَصِيلِ. فَقَالَ: لَا بَأْسَ، فَقُلْتُ: إنَّهُ سُنْبُلٌ فَكَرِهَهُ، قَالَ: وَهَذَا نَفْسُ قَوْلِنَا. وَمِمَّنْ ذَكَرَ حُكْمَ هَذِهِ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثِ مَعَ الْمُصَنِّفِ فِي الزَّرْعِ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَلَوْ بَاعَ الْقَتَّ أَوْ الْقَصِيلَ بِشَرْطِ أَنَّهُ يَرْعَى دَوَابَّهُ لَا يَصِحُّ. وَلَا يُجْعَلُ هَذَا كَشَرْطِ الْقَطْعِ، قَالَهُ الْخُوَارِزْمِيُّ.
واعلم: أَنَّ الْأَصْحَابَ اتَّفَقُوا - فِيمَا أَعْلَمُ - عَلَى اشْتِرَاطِ شَرْطِ الْقَطْعِ فِي هَذَا الْقِسْمِ، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ: أما: الْبَقْلُ إنْ بِيعَ مَعَ الْأُصُولِ، فَلَا يُشْتَرَطُ الْقَطْعُ، وَإِنْ بِيعَ دُونَ الْأُصُولِ يَنْزِلُ عَلَى الْقَطْعِ. قَالَ ابْنُ أَبِي الدَّمِ: يُرِيدُ بِهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ شَرْطِ الْقَطْعِ فِيهِ، قَالَ الْإِمَامُ: لَا بُدَّ مِنْ شَرْطِ الْقَطْعِ فِيهِ وَهَكَذَا قَالَ ابْنُ يَحْيَى فِي مُحِيطِهِ: إنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ شَرْطِ الْقَطْعِ، وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ فِي الْبَسِيطِ فِي الزَّرْعِ الْأَخْضَرِ، وَهَكَذَا ذَكَرَهُ الْجَمَاعَةُ فِي الزَّرْعِ الْأَخْضَرِ، وَكَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: لَا يُشْتَرَطُ اشْتِرَاطُ الْقَطْعِ فِي هَذَا، بَلْ مَتَى أُطْلِقَ نَزَلَ الْعَقْدُ عَلَى شَرْطِ الْقَطْعِ، خَوْفًا مِنْ الِاخْتِلَاطِ، بِخِلَافِ الثِّمَارِ، وَلَفْظُ الشَّيْخِ فِي الْوَسِيطِ يُشْعِرُ بِهِ، لَكِنَّ الْمَنْقُولَ مَا ذَكَرْتُهُ، هَذَا كَلَامُ ابْنُ أَبِي الدَّمِ.
وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: إنَّ الْأَشْبَهَ الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لَمْ يُنَبِّهْ إلَى الْحَالَةِ الَّتِي يُجَذُّ فِيهَا، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إلَّا بِشَرْطِ الْقَطْعِ، أَوْ أَنْ يَنْتَهِيَ فَيَجُوزُ كَمَا ذَكَرْنَا عَنْ الْمَاوَرْدِيُّ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ كَلَامُ الْغَزَالِيِّ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَهُ عِنْدَ الْكَلَامِ فِي بَيْعِ مَا بَدَا صَلَاحُهُ، فَظَاهِرُ نَصِّهِ فِي الْأُمِّ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ لِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِيهَا: لَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ الْقُرْطُ إلَّا جَذَّةً وَاحِدَةً عِنْد بُلُوغِ الْجِذَاذِ، وَيَأْخُذُ صَاحِبُهُ فِي جُذَاذِهِ عِنْدَ ابْتِيَاعِهِ. وَقَالَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ: إنَّهُ إذَا تَرَكَهُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ فِي الْعَقْدِ أَيَّامًا - وَقَطْعُهُ مُمْكِنٌ فِي أَوَّلٍ مِنْهَا - كَانَ الْمُشْتَرِي مِنْهُ بِالْخِيَارِ فِي أَنْ يَدَعَ الْفَضْلَ الَّذِي لَهُ بِلَا ثَمَنٍ أَوْ يَنْقُضَ الْبَيْعَ.
قلت: وَهَذَا حَمْلٌ حَسَنٌ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ كَلَامُ الْقَاضِي حُسَيْنٍ، وَمُرَادُ ابْنِ الرِّفْعَةِ بِكَلَامِ الْمَاوَرْدِيُّ مَا سَيَأْتِي عَنْهُ فِي بُدُوِّ الصَّلَاحِ، وَأَنَّهُ جَعَلَ لِذَلِكَ النَّوْعِ حَالَةَ إصْلَاحٍ وَلَكِنَّ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ الَّذِي اعْتَضَدَ بِهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ مَا يُفْهِمُ أَنَّهُ إذَا شَرَطَ تَرْكَهُ لَمْ يَصِحَّ، وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى اخْتِلَاطٍ، فَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ