فهرس الكتاب
ج / 11 ص -127- النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَهُ. فَالْمُعْتَبَرُ حِينَئِذٍ بِالْحَمْلِ عَلَى مَا جَرَتْ الْعَادَةُ، فَإِذَا كَانَ أَحَدُ الْحَمْلَيْنِ مُنْفَصِلًا عَنْ الْآخَرِ انْفِصَالًا بَيِّنًا غَيْرَ مُتَلَاحِقٍ لَمْ يَتْبَعْ الثَّانِي الْأَوَّلَ، وَإِنْ كَانَتْ عِبَارَةُ الشَّافِعِيِّ الَّتِي قَدَّمْتُهَا تَقْتَضِي اعْتِبَارَ الْعَامِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: عَلَى ذَلِكَ سُؤَالٌ قَالَ الْأَصْحَابُ: إنْ قِيلَ: هَلَّا قُلْتُمْ: الْحَمْلُ الثَّانِي تَابِعٌ لِلْأَوَّلِ؟ كَمَا إذَا بَاعَ نَخْلَةً مُؤَبَّرَةً، فَإِنَّ الطَّلْعَ الْحَادِثَ لِلْبَائِعِ تَبَعًا لِلْمَوْجُودِ؟ فالجواب: إنَّ فِي الطَّلْعِ وَجْهَيْنِ وَالْفَرْقُ: أَنَّ الطَّلْعَ الْحَادِثَ مِنْ جُمْلَةِ هَذَا الطَّلْعِ الْمَوْجُودِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلَّا حَمْلٌ وَاحِدٌ يَتَقَدَّمُ بَعْضُهُ وَيَتَأَخَّرُ بَعْضُهُ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْحَمْلُ الثَّانِي مَعَ الْحَمْلِ الْأَوَّلِ.
فرع: قَالَ الْمُتَوَلِّي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: إنَّ عَدَمَ الِانْفِسَاخِ هُوَ الصَّحِيحُ يَعْنِي مِنْ طَرِيقَةِ الْقَوْلَيْنِ، وَفِي مَسْأَلَةِ اخْتِلَاطِ الثِّمَارِ الْمَبِيعَةِ بِغَيْرِهَا لَمْ يُصَحِّحْ شَيْئًا، وَاَلَّذِي صَحَّحَهُ ابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ طَرِيقَةِ الْقَوْلَيْنِ الْقَوْلُ بِالِانْفِسَاخِ كَمَا صَحَّحَ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ اخْتِلَاطِ الثِّمَارِ الْمَبِيعَةِ.
فرع: إذَا قُلْنَا: يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ فَلَا تَفْرِيعَ عَلَيْهِ، وإن قلنا: لَا يَنْفَسِخُ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: فَمَنْ سَمَحَ مِنْهُمَا أُجْبِرَ الْآخَرُ عَلَى قَبُولِهِ، وَإِنْ امْتَنَعَا فَسَخَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا، كَذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، وَهُوَ مَفْهُومُ الْمُصَنِّفِ رحمه الله قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُ ابْنِ خَيْرَانَ، إنْ تَرَاضَيَا وَاتَّفَقَا عَلَى قَدْرِ الْحَادِثَةِ مِنْ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ الْيَدِ، وَلَا يُفْسَخُ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجْعَلُ لِمَا حَدَثَ تَأْثِيرًا فِي الْبَيْعِ. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ أَحْسَنُ وَأَدْخَلُ فِي الْمَعْنَى الَّذِي لَحَظَهُ ابْنُ خَيْرَانَ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَاطَ فِي غَيْرِ الْمَبِيعِ لَا أَثَرَ لَهُ، وَكَذَلِكَ صَرَّحَ بِهِ الْمَحَامِلِيُّ بِعِبَارَةٍ تَقْتَضِي أَنَّهُ مَنْقُولٌ عَنْ ابْنِ خَيْرَانَ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَقَالَ ابْنُ خَيْرَانَ: الْمَسْأَلَةُ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ: إنَّ الْبَيْعَ لَا يَبْطُلُ، وَلَكِنْ يُقَالُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا: اسْمَحْ بِتَرْكِ ثَمَرَتِكَ، فَإِنْ سَمَحَ أُجْبِرَ الْآخَرُ عَلَى الْقَبُولِ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَحْ نُظِرَ فَإِنْ كَانَتْ الشَّجَرَةُ وَالثَّمَرَةُ فِي يَدِ الْبَائِعِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي قَدْرِ مَا يَسْتَحِقُّهُ الْمُشْتَرِي مِنْهَا، وَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي قَدْرِ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْهَا.
وَكَذَلِكَ الْإِمَامُ قَالَ: إنَّهُ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ لَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ، وَرُبَّمَا يُظَنُّ بَيْنَ كَلَامِ هَؤُلَاءِ وَكَلَامِ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ مُنَافَاةٌ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا، فَقَدْ بَيَّنَ الرُّويَانِيُّ ذَلِكَ، وَنَقَلَ الْقَوْلَ بِالْفَسْخِ عَنْ نَصِّهِ فِي الْأُمِّ وَعَنْ ابْنِ خَيْرَانَ: أَنَّهُ إذَا لَمْ يَسْمَحْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ فِي يَدِهِ كَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ تَفْرِيعًا عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ الِانْفِسَاخِ مِنْ قَوْلَيْ طَرِيقَةِ الْخِلَافِ، وَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالْإِمَامُ تَفْرِيعٌ عَلَى طَرِيقَةِ ابْنِ خَيْرَانَ فَقَطْ، فَكَلَامُ أَبِي الطَّيِّبِ لَا إيرَادَ عَلَيْهِ إلَّا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ أَطْلَقَ ذَلِكَ عَلَى قَوْلِ عَدَمِ الِانْفِسَاخِ، وَهُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ قَوْلِ ابْنِ خَيْرَانَ وَأَحَدِ قَوْلَيْ طَرِيقَةِ الْخِلَافِ. وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ الْإِيرَادُ عَلَيْهِ قَوِيٌّ؛ لِأَنَّهُ نَقَلَ قَوْلَ ابْنِ خَيْرَانَ، وَفَرَّعَ عَلَيْهِ أَنَّهُ يُقَالُ: مَنْ سَمَحَ مِنْكُمَا أُقِرَّ الْعَقْدُ فَأَفْهَمْ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَسْمَحْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لَا يُقَرُّ الْعَقْدُ وَيُفْسَخُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ قَوْلَ ابْنِ خَيْرَانَ، وَلَوْ أَخَّرَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ بَعْدَ طَرِيقَةِ الْقَوْلَيْنِ، وَقَالَهَا تَفْرِيعًا عَلَى عَدَمِ الِانْفِسَاخِ كَانَ يُعْتَذَرُ عَنْهُ بِمَا اُعْتُذِرَ عَنْ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: كَلَامُ الْمُصَنِّفِ هُنَا مُشِيرٌ إلَى أَنَّهُ لَا مَزِيَّةَ فِي غَرَضِ تَرْكِ الْحَقِّ بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي، وَكَلَامُهُ فِي التَّنْبِيهِ يَقْتَضِي أَنَّهُ يُبْدَأُ بِالْبَائِعِ، وَكَلَامُ الْمَاوَرْدِيُّ يَقْتَضِي الْبُدَاءَةِ بِالْمُشْتَرِي، وَالْأَقْرَبُ التَّسْوِيَةُ