فهرس الكتاب
ج / 11 ص -149- هَذَا مَعَ مُتَابَعَةِ الرِّوَايَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ مَعَ مُلَاحَظَةِ الْوُجُوهِ الْمُتَقَدِّمَةِ الْمُبَيِّنَةِ: أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ خَارِجٍ عَنْ الْقِيَاسِ، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ طَرِيقُ الرَّفْعِ فِي رِوَايَةٍ فَكَوْنُهُ مِنْ كَلَامِهِ صَحِيحٌ بِلَا إشْكَالٍ، وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ عِنْدَهُمْ حُجَّةٌ لَا سِيَّمَا ابْنَ مَسْعُودٍ، وَطَرِيقُ فِقْهِهِمْ تَرْجِعُ إلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَهُنَا حُجَّةٌ فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَاضِدًا لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى زَعْمِهِمْ، وأما: نَحْنُ فَلَا نَقُولُ: إنَّ الْحَدِيثَ يَحْتَاجُ إلَى شَيْءٍ يَعْضُدُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الِاعْتِذَارُ الثَّالِثُ: وَهُوَ دَعْوَى النَّسْخِ، فَذَلِكَ مِنْ أَضْعَفِ الِاعْتِذَارَاتِ؛ لِأَنَّهُ دَعْوَى نَسْخٍ بِالِاحْتِمَالِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ.
وَأَمَّا الِاعْتِذَارُ الرَّابِعُ: بِالِاضْطِرَابِ، فَإِنَّ الْأَلْفَاظَ الْمُخْتَلِفَةَ الَّتِي وَرَدَتْ مِنْهَا مَا سَنَدُهُ ضَعِيفٌ فَلَا اعْتِبَارَ بِهِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ صَحِيحٌ لَا مُنَافَاةَ فِيهِ، وَالْأَلْفَاظُ الَّتِي صَحَّتْ كُلُّهَا لَا تَنَاقُضَ فِيهَا، بَلْ الْجَمْعُ بَيْنَهَا مُمْكِنٌ ظَاهِرًا.
وَأَمَّا الِاعْتِذَارُ الْخَامِسُ: وَاسْتِعْمَالُهُمْ لِلْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِ الِاشْتِرَاطِ، فَذَلِكَ لَا يَصِحُّ لِأَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ. أحدها: أَنَّ النَّهْيَ عَنْ التَّصْرِيَةِ وَمَا ذَكَرَهُ مَعَهُ يَقْتَضِي تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِالتَّصْرِيَةِ، وَمَا اسْتَعْمَلُوهُ عَلَيْهِ يَقْتَضِي تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِفَسَادِ الشَّرْطِ، فَصَارَ ذِكْرُ التَّصْرِيَةِ لَغْوًا، الثاني: أَنَّهُ جَعَلَ الرَّدَّ لِلْمُشْتَرِي وَحْدَهُ، وَلَوْ كَانَ لِأَجْلِ الشَّرْطِ لَكَانَ لَهُمَا؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ حِينَئِذٍ يَكُونُ فَاسِدًا، قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ إذَا شُرِطَ فِي الشَّاةِ الْمَبِيعَةِ أَنَّهَا تَحْلُبُ مِقْدَارًا فَنَقَصَتْ عَنْهُ، فَإِنَّمَا يَثْبُتُ الرَّدُّ لِلْمُشْتَرِي لَا لِلْبَائِعِ، وَذَلِكَ عَلَى وَجْهٍ سَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ. وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ جَعَلَ الرِّضَا مُوجِبًا لِلْإِمْضَاءِ، وَالسَّخَطَ مُوجِبًا لِلْفَسْخِ وَالرَّدِّ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ مُتَعَلِّقًا بِإِسْقَاطِ الشَّرْطِ. والرابع: أَنَّهُ أَوْجَبَ فِيهِ رَدَّ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ، وَإِسْقَاطُ الشَّرْطِ لَا يُوجِبُ رَدَّ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ، قَالَ هَذِهِ الْأَوْجُهَ الْمَاوَرْدِيُّ رحمه الله، وَأَقْوَاهَا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ لِكَمَالِهِ هُوَ دُونَ غَيْرِهِ، فَقَدْ بَانَ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى صِحَّةُ مَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ، وَانْدَفَعَ مَا تَعَلَّقَ بِهِ الْخَصْمُ فِي دَفْعِ ذَلِكَ.
وأما: أَنَّ الْقِيَاسَ هَلْ هُوَ مُعَاضِدٌ لِلْحَدِيثِ فَجَمَاعَةٌ يَدَّعُونَ ذَلِكَ وَيُثْبِتُونَهُ بِمَا عُلِمَ فِي الْأَجْوِبَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَبَعْضُهُمْ يَأْبَى ذَلِكَ، وَيَرْوِي الِاسْتِنَادَ فِي ذَلِكَ إلَى الْحَدِيثِ، وَيَجْعَلُ الْأَجْوِبَةَ الْمَذْكُورَةَ لِدَفْعِ الِاعْتِرَاضَاتِ فَقَطْ. قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمَآخِذِ: وَالْإِنْصَافُ أَوْلَى مِنْ الْعِنَادِ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ حَدِيثَ الْمُصَرَّاةِ لَوْ لَمْ يَرِدْ لَكُنَّا لَا نُثْبِتُ الْخِيَارَ: وَقَدْ سَلِمَ مَا وُجِدَ حَالَةَ الْعَقْدِ، وَلَمْ يَتَخَلَّفْ إلَّا مَنْفَعَةٌ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، فَالِاعْتِمَادُ عَلَى الْحَدِيثِ، وَهُوَ صَرِيحٌ لَا تَأْوِيلَ لَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُ الْغَزَالِيِّ هَذَا أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَرِدْ الْحَدِيثُ، لَكُنَّا لَا نُثْبِتُ الْخِيَارَ لَا يَضُرُّنَا فِيمَا قَدَّمْنَاهُ، فَإِنَّا قَدْ لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ وَنَدَّعِي ثُبُوتَ الْخِيَارِ كَالْعَيْبِ وَالشَّرْطِ، وَلَوْ سَلَّمْنَا فَحَيْثُ وَرَدَ الْحَدِيثُ، فَهُوَ الْعُمْدَةُ مَعَ فَهْمِ الْمَعْنَى فِيهِ، وَأَنَّ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ الْأَحْكَامِ مِنْ مَحَاسِنِ الشَّرْعِ كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْغَزَالِيُّ خَالَفَ فِيهِ الْإِمَامَ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي النِّهَايَةِ: إنَّ قَاعِدَةَ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ ثُبُوتَ الْخِيَارِ جَارٍ عَلَى الْقِيَاسِ، وَذَكَرَ بَيَانَ ذَلِكَ بِمَسْأَلَةِ تَجْعِيدِ الشَّعْرِ وَتَلْطِيخِ الثَّوْبِ بِالْمِدَادِ وَشِبْهِ ذَلِكَ عِنْدَ