فهرس الكتاب

الصفحة 3825 من 4102

ج / 11 ص -148- مَقْدُورٍ عَلَى اسْتِخْرَاجِهِ مِنْ الْأُمِّ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ اللَّحْمِ الْمَخْلُوقِ فِي الْجَوْفِ بِخِلَافِ اللَّبَنِ فَإِنَّهُ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ، فَهَذِهِ الْأَجْوِبَةُ دَافِعَةٌ لِقَوْلِهِمْ: إنَّهُ مُخَالِفٌ لِقِيَاسِ الْأُصُولِ.

وَلَئِنْ سَلَّمْنَا مُخَالَفَتَهُ لِذَلِكَ، فالجواب: مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمُخَالَفَةَ لَا تَضُرُّ لِمَا تَقَدَّمَ (وَقَوْلُهُمْ) : إنَّ تَقْدِيمَ خَبَرِ الْوَاحِدِ عَلَى الْأُصُولِ الْمَعْلُومَةِ فِيهِ تَقْدِيمُ الْمَظْنُونِ عَلَى الْمَقْطُوعِ مَمْنُوعٌ، فَإِنَّ تَنَاوُلَ تِلْكَ الْأُصُولِ لِمَحَلِّ خَبَرِ الْوَاحِدِ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِهِ، لِجَوَازِ اسْتِثْنَاءِ مَحَلِّ الْخَبَرِ عَنْ ذَلِكَ الْأَصْلِ، فَإِنَّ تِلْكَ الْأُصُولَ عَامَّةٌ، وَالْخَبَرُ خَاصُّ، وَالْمَظْنُونُ يُخَصِّصُ الْمَعْلُومَ.

وَأَمَّا الْعُذْرُ الثَّانِي: وَهُوَ كَوْنُهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَلَوْلَا ذِكْرُهُ فِي الْكُتُبِ وَالِاحْتِيَاجِ إلَى الْجَوَابِ، لَكُنَّا نَسْتَحْيِي مِنْ ذِكْرِهِ، وَنُجِلُّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْحِكَايَةِ، أَوْ نَسْمَعَهُ فِي أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ مِنْ ثِقَتِهِ وَأَمَانَتِهِ وَحِفْظِهِ لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالْمَحَلِّ الْمَعْلُومِ، وَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُحَبِّبَهُ اللَّهُ وَأُمَّهُ إلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ، وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ قَالَ لَهُ حِينَ رَوَى لَهُمْ:"اُمْكُثِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ"حَفِظَ اللَّهُ عَلَيْكَ دِينَكَ كَمَا حَفِظْتَ عَلَيْنَا سُنَّةَ نَبِيِّنَا صلى الله عليه وسلم، وَفَضَائِلُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمَنَاقِبُهُ مَشْهُورَةٌ، وَالْمُخَالِفُونَ فِي حُكْمِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنَّمَا يَتَعَلَّلُونَ بِظَنِّهِمْ أَنَّهُ لَيْسَ بِفَقِيهٍ، وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه اسْتَعْمَلَهُ عَلَى الْبَحْرَيْنِ، وَلَمْ يَكُنْ عُمَرُ رضي الله عنه لِيُوَلِّيَ غَيْرَ فَقِيهٍ، وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى الْمَدِينَةِ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ. أَتُرَى كَانَ يَحْكُمُ بِغَيْرِ فِقْهٍ؟.

وَقَدْ نُقِلَتْ عَنْهُ فَتَاوَى. وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ رَاشِدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ:"أَنَّ رَجُلًا مِنْ مُزَيْنَةَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، فَأَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ يَسْأَلُهُ وَعِنْدَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إحْدَى الْمُعْضِلَاتِ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاحِدَةٌ تُبِينُهُ أَوْ ثَلَاثٌ تُحَرِّمُهَا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: زَيَّنْتَهَا يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَوْ قَالَ: نَوَّرْتَهَا أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُهَا يَعْنِي أَصَابَ"فَفُتْيَاهُ بِحُضُورِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ دَلِيلٌ أَيْضًا عَلَى فِقْهِهِ. وَلَوْ فَرَضْنَا وَحَاشَ لِلَّهِ أَنَّهُ غَيْرُ فَقِيهٍ، فَاشْتِرَاطُ الْفِقْهِ تَحَكُّمٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ مَعَ عَدَالَةِ الرَّاوِي وَضَبْطِهِ وَفَهْمِهِ الَّذِي يَمْنَعُ مِنْ إحَالَةِ الْمَعْنَى، ثُمَّ إنَّ الْمُخَالِفَ قَبِلَ خَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي مَوَاضِعَ مِنْ جُمْلَتِهَا فِي النَّهْيِ عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا، وَلَمْ يُرْوَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحَةٍ غَيْرِ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ بِطَرِيقٍ ضَعِيفَةٍ، فَقَبِلُوا خَبَرَهُ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِعُمُومِ الْكِتَابِ قوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24] فَأَيُّهُمَا أَعْظَمُ؟ مُخَالَفَتُهُ لِعُمُومِ الْكِتَابِ؟ أَوْ مُخَالَفَتُهُ لِقَوَاعِدَ مُتَنَازَعٍ فِي عُمُومِهَا؟ وَمُخَالَفَتُهُ لِلْقِيَاسِ الْمُتَأَخِّرِ عَنْ الْكِتَابِ بِمَرَاتِبَ؟.

ثُمَّ إنَّ حَدِيثَ الْمُصَرَّاةِ قَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَمِنْ جُمْلَتِهَا طَرِيقٌ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، الْإِمَامِ الْمُجْمَعِ عَلَى فِقْهِهِ وَعِلْمِهِ، وَإِنْ كُنَّا قَدْ رَجَّحْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ، كَمَا هُوَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، لَكِنَّ طَرِيقَ الرَّفْعِ أَيْضًا جَيِّدَةٌ، وَعَلَى طَرِيقِ كَثِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ غَيْرِ الْمُحَدِّثِينَ لَا يَبْعُدُ تَصْحِيحُهَا، وَقَدْ رُوِيَ رَفْعُهُ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ الْمُتَقَدِّمَةِ، ذَكَرَهَا الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهَذِهِ إذَا صَحَّ فِيهَا الرَّفْعُ طَرِيقٌ قَوِيَّةٌ جِدًّا،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت