فهرس الكتاب
ج / 11 ص -151- وَأَمَّا إلْحَاقُ ذَلِكَ بِالْخُلْفِ جَعَلَ ذَلِكَ كَالِالْتِزَامِ فَبَعِيدٌ، وَلَوْ صَرَّاهَا لَا لِأَجْلِ الْخَدِيعَةِ ثُمَّ نَسِيَهَا فَقَدْ حَكَى الشَّيْخُ أَبُو الْفَتْحِ الْقُشَيْرِيُّ الْمَشْهُورُ بِابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ عَنْ أَصْحَابِنَا فِيهِ خِلَافًا، وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي كَلَامِهِمْ صَرِيحًا، لَكِنَّهُ يَتَخَرَّجُ عَلَى أَنَّا هَلْ نَنْظُرُ إلَى أَنَّ الْمَأْخَذَ التَّدْلِيسُ؟ أَوْ ظَنُّ الْمُشْتَرِي؟.
فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ الْخَدِيعَةَ وَالتَّدْلِيسَ، وَعَلَى الثَّانِي يَثْبُتُ لِحُصُولِ الظَّنِّ. وَالرَّاجِحُ مِنْ ذَلِكَ: ثُبُوتُ الْخِيَارِ نَظَرًا إلَى الْمَعْنَى، وَفَوَاتِ مَا ظَنَّهُ الْمُشْتَرِي، وَلَوْ شَدَّ أَخْلَافَهَا قَصْدًا لِصِيَانَةِ لَبَنِهَا عَنْ وَلَدِهَا فَقَطْ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: فَهُوَ بِلَا شَكٍّ كَمَا لَوْ تَحَفَّلَتْ بِنَفْسِهَا.
قلت: وَهِيَ كَالْمَسْأَلَةِ الَّتِي حَكَاهَا الشَّيْخُ أَبُو الْفَتْحِ عَنْ أَصْحَابِنَا لَكِنْ فِي تِلْكَ الزِّيَادَةِ النِّسْيَانُ، وَهُوَ لَيْسَ بِشَرْطٍ، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ الْقَصْدُ صَحِيحًا لَمْ يَحْصُلْ تَدْلِيسٌ وَخَدِيعَةٌ، وَلَيْسَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إنَّ التَّدْلِيسَ حَاصِلٌ بِعَدَمِ تَبْيِينِهِ وَقْتَ الْبَيْعِ، وَهُوَ عَالِمٌ بِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمَعْنَى حَاصِلٌ فِيمَا إذَا تَحَفَّلَتْ بِنَفْسِهَا وَبَاعَهَا وَهُوَ عَالِمٌ بِالْحَالِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَابْنُ الرِّفْعَةِ سَقَطَ عَلَيْهِ مِنْ كَلَامِ الْقُشَيْرِيِّ، فَنَقَلَ الْمَسْأَلَةَ عَنْهُ أَنَّهُ صَرَّاهَا لِأَجْلِ الْخَدِيعَةِ ثُمَّ نَسِيَهَا، ثُمَّ اعْتَرَضَ بِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذِهِ مِنْ صُوَرِ الْوِفَاقِ. وَهَذَا الِاعْتِرَاضُ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا نَقَلَهُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ قَدْ حَصَلَ التَّدْلِيسُ وَالظَّنُّ وَلَا يُفِيدُ تَوَسُّطُ النِّسْيَانِ، فَإِذَنْ الْمَسْأَلَةُ ذَكَرَهَا ابْنُ الرِّفْعَةِ وَخَرَّجَهَا عَلَى مَا إذَا تَحَفَّلَتْ بِنَفْسِهَا، وَالْمَسْأَلَةُ الَّتِي نَقَلَهَا الْقُشَيْرِيُّ وَاحِدَةٌ، وَالْمَسْأَلَةُ الَّتِي نَقَلَهَا ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْ الْقُشَيْرِيِّ بِحَسْبِ النُّسْخَةِ الَّتِي وَقَعَتْ لَهُ غَلَطًا مَسْأَلَةٌ أُخْرَى يَنْبَغِي الْجَزْمُ بِالْخِيَارِ فِيهَا، فَلِذَلِكَ ذَكَرْتُ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَأَوْجَبْتُ التَّنْبِيهَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا فِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ صَرِيحًا فِيمَا عَلِمْتُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: لَا خِلَافَ أَنَّ فِعْلَ التَّصْرِيَةِ بِهَذَا الْقَصْدِ حَرَامٌ لِمَا فِيهَا مِنْ الْغِشِّ وَالْخَدِيعَةِ، وَالْخِدَاعُ مُحَرَّمٌ فِي الشَّرِيعَةِ قَطْعًا، وَهَلْ يَخْتَصُّ إثْمُ فَاعِلِهِ بِحَالَةِ عِلْمِ التَّحْرِيمِ أَوْ لَا؟ لِأَنَّهُ ظَاهِرُ الْمَفْسَدَةِ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ فِيهِ كَمَا فِي النَّجْشِ، قلت: وَاَلَّذِي اخْتَارَهُ الرَّافِعِيُّ فِي النَّجْشِ تَخْصِيصُ مَعْصِيَةِ النَّاجِشِ مِمَّنْ عَرَفَ التَّحْرِيمَ بِعُمُومٍ أَوْ خُصُوصٍ، وَحَكَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْتُ مِنْ نَفْيِ الْخِلَافِ فِي تَحْرِيمِ التَّصْرِيَةِ، هُوَ الْمَشْهُورُ بَيْنَ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ، وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ صَاحِبُ الْعُدَّةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ جَوَازَهُ، وَلَوْ حَصَلَتْ التَّصْرِيَةُ لِغَيْرِ قَصْدِ الْبَيْعِ فَقَدْ رَأَيْتُ فِي كَلَامِ بَعْضِ الْأَصْحَابِ أَنَّهَا حَرَامٌ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلَى مَا إذَا كَانَتْ تَضُرُّ بِالْحَيَوَانِ، أَمَّا إذَا لَمْ يَحْصُلْ ضَرَرٌ بِالْحَيَوَانِ وَلَا يَلْتَبِسُ عَلَى أَحَدٍ، فَلَا مَعْنَى لِلتَّحْرِيمِ، وَبَعْضُ الْأَصْحَابِ الَّذِي أَشَرْتُ إلَيْهِ هُوَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ، فَإِنَّهُ لَمَّا تَكَلَّمَ فِي إلْبَاسِ الْعَبْدِ ثَوْبَ الْكَتَّانِ فَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّصْرِيَةِ، قَالَ: إلْبَاسُ ثَوْبِ الْكَتَّانِ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ الْبَيْعِ مَمْنُوعٌ بِالشَّرْعِ، بَلْ لِلسَّيِّدِ أَنْ يُلْبِسَ عَبْدَهُ كُلَّ مَا يَحِلُّ لُبْسُهُ، وَأَمَّا تَرْكُ حَلْبِ اللَّبَنِ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ اللَّبَنِ مَمْنُوعٌ عَنْهُ بِالشَّرْعِ، وَيَجِبُ حَمْلُ ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرْتُهُ.