فهرس الكتاب
ج / 11 ص -152- قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي وَقْتِ الرَّدِّ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَتَقَدَّرُ الْخِيَارُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَإِنْ عَلِمَ بِالتَّصْرِيَةِ فِيمَا دُونَ الثَّلَاثِ كَانَ لَهُ الْخِيَارُ فِي بَقِيَّةِ الثَّلَاثِ لِلسُّنَّةِ، وَمِنْهُمْ: مَنْ قَالَ: إذَا عَلِمَ بِالتَّصْرِيَةِ ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ عَلَى الْفَوْرِ، فَإِنْ لَمْ يَرُدَّ سَقَطَ خِيَارُهُ؛ لِأَنَّهُ خِيَارٌ ثَبَتَ لِنَقْصٍ فَكَانَ عَلَى الْفَوْرِ كَخِيَارِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ.
الشرح: الَّذِي قَالَ بِتَقْدِيرِ الْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ هُوَ الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ الْمَرْوَرُوذِيُّ وَعَلَيْهِ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي اخْتِلَافِ الْعِرَاقِيِّينَ فِي بَابِ الِاخْتِلَافِ فِي الْعَيْبِ فِي الْجُزْءِ الْخَامِسَ عَشَرَ مِنْ الْأُمِّ، قَالَ: مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْمُصَرَّاةَ قَدْ تُعْرَفُ تَصْرِيَتُهَا بَعْدَ أَوَّلِ حَلْبَةٍ فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَفِي يَوْمَيْنِ، حَتَّى لَا يَشُكَّ فِيهَا، فَلَوْ كَانَ الْخِيَارُ إنَّمَا هُوَ لِيَعْلَمَ اسْتِبَانَةَ عَيْبِ التَّصْرِيَةِ أَشْبَهَ أَنْ يُقَالَ: الْخِيَارُ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهَا مُصَرَّاةٌ قَلَّ ذَلِكَ أَوْ قَصُرَ، كَمَا يَكُونُ لَهُ الْخِيَارُ فِي الْعَيْبِ إذَا عَلِمَهُ بِلَا وَقْتٍ قَلَّ ذَلِكَ أَوْ قَصُرَ، وَنَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ عَنْ نَصِّهِ فِي الْإِمْلَاءِ أَيْضًا، وَنَقَلَهُ الْجُورِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ صَرِيحًا، وَلَمْ يَذْكُرْ الْجُورِيُّ غَيْرَهُ وَهُوَ الصَّحِيحُ عَمَلًا بِالْحَدِيثِ، وَيَقْتَضِي إيرَادُ الرُّويَانِيِّ فِي الْبَحْرِ وَابْنِ سُرَاقَةَ فِي بَيَانِ مَا لَا يَشِيعُ جَهْلُهُ وَالشَّاشِيُّ فِي الْحِلْيَةِ تَرْجِيحَهُ، وَهُوَ الَّذِي قَالَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ، وَقَطَعَ بِهِ الْقُشَيْرِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ مَعَ احْتِمَالٍ فِي كَلَامِهِ، وَالْخِيَارُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَكُونُ خِيَارَ تَرْوِيَةٍ كَخِيَارِ الشُّفْعَةِ عَلَى قَوْلٍ وَكَخِيَارِ الشَّرْطِ.
والثاني: وَهُوَ أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ عَلَى قَوْلِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيمَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُمَا، وَصَحَّحَهُ الْفَارِقِيُّ تِلْمِيذُ الْمُصَنِّفِ وَالْبَغَوِيُّ فِي التَّهْذِيبِ وَالرَّافِعِيُّ وَالْخُوَارِزْمِيّ فِي الْكَافِي وَابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ فِي الِانْتِصَارِ.
وَقَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْحِلْيَةِ: إنَّهُ الْقِيَاسُ وَالِاخْتِيَارُ، وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ مُتَّفِقَانِ عَلَى جَوَازِ الرَّدِّ إذَا طَلَعَ عَلَى التَّصْرِيَةِ فِي الثَّلَاثِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ بَيْنَهُمَا فِي كَوْنِهِمَا عَلَى الْفَوْرِ أَوْ يَمْتَدُّ إلَى آخِرِهَا، وَفِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهٌ ثَالِثٌ قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ: أَنَّهُ لَا يَرُدُّ قَبْلَ انْقِضَاءِ الثَّلَاثِ وَلَا بَعْدَهَا أَيْضًا، وَإِنَّمَا لَهُ الرَّدُّ عِنْدَ انْقِضَاءِ الثَّلَاثِ وَهَذَا الْوَجْهُ بَعِيدٌ، وَهَكَذَا حَكَاهُ الرُّويَانِيُّ وَالْبَنْدَنِيجِيّ، وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ الْمَسْأَلَةِ تَنْبِيهٌ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِتَحْرِيرِ هَذِهِ الْأَوْجُهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ بَيْنَ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ اشْتِرَاكًا وَافْتِرَاقًا، وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ وَالثَّالِثُ يَشْتَرِكَانِ فِي اعْتِبَارِ الثَّلَاثِ فِي التَّصْرِيَةِ فَهِيَ ثَابِتَةٌ بِالشَّرْعِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ وَيَفْتَرِقَانِ، فَأَبُو إِسْحَاقَ يَقُولُ: الْمَقْصُودُ بِهَا الْوُقُوفُ عَلَى عَيْبِ التَّصْرِيَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَظْهَرُ بِحَلْبَةٍ وَلَا بِحَلْبَتَيْنِ، فَإِذَا حَصَلَتْ الْحَلْبَةُ الثَّالِثَةُ عُرِفَ الْحَالُ، وَكَانَ الرَّدُّ حِينَئِذٍ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ عَلَى الْفَوْرِ. وَأَبُو حَامِدٍ يَجْعَلُ الْخِيَارَ فِي الثَّلَاثِ كَالْخِيَارِ الثَّابِتِ بِالشَّرْطِ، وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم:"فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ"جَعَلَ الثَّلَاثَةَ ظَرْفًا لِلْخِيَارِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ وَكِلَا الْوَجْهَيْنِ مُبَايِنٌ لِقَوْلِ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَإِنَّ ابْنَ أَبِي هُرَيْرَةَ يَقُولُ: إنَّ الْخِيَارَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ. إنَّمَا يَثْبُتُ بِالشَّرْطِ وَيُحْمَلُ الْحَدِيثُ عَلَى ذَلِكَ، وَالتَّصْرِيَةُ مُوجِبَةٌ لِلْخِيَارِ عَلَى الْفَوْرِ؛ لِأَنَّهَا عَيْبٌ مِنْ الْعُيُوبِ، فَبَيْنَ قَوْلِ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ اشْتِرَاكٌ فِي جَعْلِ خِيَارِ التَّصْرِيَةِ خِيَارَ عَيْبٍ ثَبَتَ عَلَى الْفَوْرِ، وَافْتِرَاقٌ فِي أَنَّ ابْنَ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا يَعْتَبِرُ الثَّلَاثَ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ أَصْلًا، وَأَبُو إِسْحَاقَ يَعْتَبِرُهَا.