فهرس الكتاب

الصفحة 3830 من 4102

ج / 11 ص -153- وَلِذَلِكَ فَإِنَّهُ إذَا اطَّلَعَ عَلَى التَّصْرِيَةِ بَعْدَ الثَّلَاثِ ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ عَلَى الْفَوْرِ عِنْدَ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَا يَثْبُتُ عِنْدَ أَبِي إِسْحَاقَ.

وَتَأْوِيلُ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ لِلْحَدِيثِ عَلَى الِاشْتِرَاطِ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ؟ وَقَوْلُ أَبِي حَامِدٍ وَابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ مُتَبَاعِدَانِ جِدًّا، وَلَكِنْ بَيْنَهُمَا اشْتِرَاكٌ وَاحِدٌ فِي جَعْلِ الْخِيَارِ فِي الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ فِي صُورَةِ الشَّرْطِ، وَتَلْخِيصُ هَذَا: أَنَّ خِيَارَ التَّصْرِيَةِ عِنْدَ أَبِي حَامِدٍ خِيَارُ شَرْعٍ، وَعِنْدَ أَبِي إِسْحَاقَ وَابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ خِيَارُ عَيْبٍ، وَخِيَارُ الثَّلَاثِ عِنْدَ أَبِي حَامِدٍ بِالشَّرْعِ، وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِالشَّرْطِ، وَعِنْدَ أَبِي إِسْحَاقَ بِالْعَيْبِ.

وَأَصَحُّهُمَا وَأَوْفَقُهُمَا: لِلْحَدِيثِ وَلِنَصِّ الشَّافِعِيِّ قَوْلُ أَبِي حَامِدٍ. وَالْأَصْحَابُ نَقَلُوا عَنْهُ: أَنَّهُ حَكَى ذَلِكَ عَلَى اخْتِلَافِ الْعِرَاقِيِّينَ، وَقَدْ رَأَيْتُهُ فِيهِ كَمَا حَكَاهُ. وَقَدْ قَدَّمْتُ مَنْ حَكَاهُ أَيْضًا.

وَلِأَجْلِ ذَلِكَ صَحَّحْتُ هَذَا الْقَوْلَ وَخَالَفْتُ الرَّافِعِيَّ رحمه الله فِي التَّصْحِيحِ، فَإِنِّي رَأَيْتُ أَكْثَرَ الْأَصْحَابِ مِمَّنْ حَكَى الْخِلَافَ لَمْ يُصَحِّحْ شَيْئًا، وَاَلَّذِينَ صَحَّحُوا قَدْ ذَكَرْتُهُمْ، وَهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِي التَّصْحِيحِ، وَلَيْسَ يَتَرَجَّحُ أَحَدُ الْجَانِبَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِكَثْرَةٍ، وَالرَّافِعِيُّ تَبِعَ فِي ذَلِكَ الْبَغَوِيَّ، وَهُوَ مُعَارَضٌ بِالصَّيْمَرِيِّ وَالْجَوْرِيِّ، وَمَعْنَاهُ الدَّلِيلُ مِنْ الْحَدِيثِ، وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ، وَاعْتَذَرَ الْبَغَوِيّ عَنْ الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ بَنَى الْأَمْرَ عَلَى الْغَالِبِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ لَا يَقِفُ عَلَى التَّصْرِيَةِ قَبْلَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَيُحْمَلُ نُقْصَانُ اللَّبَنِ فِي الْيَوْمَيْنِ عَلَى تَبَدُّلِ الْمَكَانِ وَتَفَاوُتِ الْعَلَفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَهَذَا الِاعْتِذَارُ يُوَافِقُ قَوْلَ أَبِي إِسْحَاقَ.

وَأَمَّا مَا قَالَهُ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ مِنْ أَنَّهُ ثَبَتَ الْخِيَارُ عَلَى الْفَوْرِ إذَا اطَّلَعَ قَبْلَ مُضِيِّ الثَّلَاثِ فَلَا يُنَاسِبُ ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ الْحَدِيثُ عَلَى الْغَالِبِ لَقَالَ:"فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ"، فَإِذَنْ هَذَا الْعُذْرُ مَعَ تَصْلِيحِ هَذَا الْوَجْهِ لَا يَجْتَمِعَانِ اجْتِمَاعًا ظَاهِرًا، لَكِنْ هَهُنَا تَنْبِيهَاتٌ.

إحْدَاهَا: مَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدًا لِأَبِي إِسْحَاقَ وَابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ.

أَمَّا أَبُو إِسْحَاقَ: فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدُهُ الْحَدِيثَ بِاللَّفْظِ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ رحمه الله، وَكَذَلِكَ أَوْرَدَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ فِي كُتُبِهِمْ الْفِقْهِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ:"فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا ثَلَاثًا"فَإِنَّ هَذَا اللَّفْظَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا ثَلَاثَ حَلَبَاتٍ يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ، فَلَا يَكُونُ لَهُ الْخِيَارُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الثَّلَاثِ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ، وَلَا يَمْتَدُّ بَعْدَ الثَّلَاثِ، بَلْ يَكُونُ عَلَى الْفَوْرِ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ إنَّمَا دَلَّ عَلَى مُطْلَقِ الْخِيَارِ حِينَئِذٍ، فَلَا يَمْتَدُّ لِأَمْرَيْنِ. أحدهما: عَدَمُ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ، وَالْأَصْلُ الْمَلْزُومُ والثاني: الْقِيَاسُ عَلَى مَا سِوَاهُ مِنْ الْعُيُوبِ.

لَكِنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ لَمْ تَصِحَّ وَلَا رَأَيْتُهَا فِي شَيْءٍ مِنْ الرِّوَايَاتِ فَتَعَذَّرَ هَذَا الْبَحْثُ، وَبِتَقْدِيرِ الصِّحَّةِ فَذَلِكَ مُحْتَمَلٌ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ثَلَاثًا مُتَعَلِّقٌ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، وَيَكُونُ الْحَلْبُ مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِالثَّلَاثِ، وَيُؤَيِّدُهُ الرِّوَايَةُ الَّتِي فِيهَا التَّصْرِيحُ بِإِثْبَاتِ الْخِيَارِ ثَلَاثًا، لَكِنِّي سَأُنَبِّهُ فِي التَّنْبِيهِ الثَّانِي عَلَى زِيَادَةٍ فِي ذَلِكَ، فَلْيَكُنْ الْمُسْتَنَدُ فِي رَدِّ ذَلِكَ عَدَمَ صِحَّةِ الْحَدِيثِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت