فهرس الكتاب

الصفحة 3831 من 4102

ج / 11 ص -154- وَأَمَّا ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَمُسْتَنَدُهُ أَنَّ التَّصْرِيَةَ عَيْبٌ وَخِيَارُ الْعَيْبِ عَلَى الْفَوْرِ، فَيُحْمَلُ وُرُودُ الثَّلَاثِ فِي الْحَدِيثِ عَلَى مَا إذَا شُرِطَ الْخِيَارُ ثَلَاثًا، وَهَذَا مِنْهُ يُشْبِهُ مَا ذَهَبَتْ إلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ فِي بَعْضِ اعْتِذَارَاتِهِمْ عَنْ الْحَدِيثِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُوَافِقًا فِيمَا ذَكَرُوهُ فِي رَدِّ الصَّاعِ، وَقُوَّةُ الْحَدِيثِ تَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ ثَابِتٌ بِالتَّصْرِيَةِ لَا بِالشَّرْطِ، ثُمَّ يُقَالُ لِابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنْتَ مِنْ الْمُوَافِقِينَ عَلَى الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ وَعَدَمِ الِالْتِفَاتِ إلَى مُخَالَفَةِ الْقِيَاسِ، فَلْيَكُنْ مَعْمُولًا بِهِ فِي أَنَّ هَذَا الْخِيَارَ يَمْتَدُّ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَلَا يُقَاسُ عَلَى مَا سِوَاهُ مِنْ الْعُيُوبِ، فَإِنَّ هَذَا الدَّلِيلَ أَخَصُّ مِنْ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى أَنَّ خِيَارَ الْعَيْبِ عَلَى الْفَوْرِ.

بَلْ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَسْأَلَةِ الْعَيْبِ إجْمَاعٌ وَلَا نَصٌّ يَقْتَضِي الْفَوْرَ، فَاللَّائِقُ أَنْ يُجْعَلَ الْخِيَارُ فِيهِ ثَلَاثًا بِالْقِيَاسِ عَلَى الْمُصَرَّاةِ الَّتِي وَرَدَ فِيهَا النَّصُّ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا نَصٌّ أَوْ إجْمَاعٌ فَهُوَ عَامٌّ، وَهَذَا خَاصٌّ، وَالْخَاصُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَامِّ، فَلَا مُسْتَنَدَ حِينَئِذٍ لِهَذَا الْوَجْهِ، وَهُوَ الَّذِي صَحَّحَهُ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ، وَلَا لِقَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ الَّذِي قَبْلَهُ. وَالصَّوَابُ الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ: قَوْلُ أَبِي حَامِدٍ الْمَرْوَرُوذِيِّ، وَقَوْلُ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَشْهَدُ لَهُ مِنْ جِهَةِ الْمَذْهَبِ شَيْءٌ، وَهُوَ أَنَّ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ مَا يَقْتَضِي أَنَّ خِيَارَ الشَّرْطِ ثَلَاثًا فِي الْبُيُوعِ، مَأْخُوذٌ مِنْ حَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ، فَلَوْ كَانَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ خِيَارَ الْمُصَرَّاةِ ثَابِتٌ بِالشَّرْعِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ كَيْفَ كَانَ يُسْتَنْبَطُ مِنْهُ جَوَازُ اشْتِرَاطِ الْخِيَارِ ثَلَاثًا فِي الْبُيُوعِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ ثُبُوتَهُ بِالشَّرْعِ مَعَ عَدَمِ الْجَهَالَةِ فِيهِ مُسَوِّغٌ لِاشْتِرَاطِهِ، وَهَذَا أَقْرَبُ إلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِلشَّرْطِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

التَّنْبِيهُ الثَّانِي: أَنَّ الْحَدِيثَ بِاللَّفْظِ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ رحمه الله. عَلَى الِاحْتِمَالِ الْمُقَابِلِ لِمَا أَبْدَيْتُهُ فِي مَأْخَذِ أَبِي إِسْحَاقَ يَقْتَضِي إثْبَاتَ الْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ابْتِدَاؤُهَا بَعْدَ الْحَلْبِ، وَهَذَا لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِهِ، لَا أَبَا حَامِدٍ وَلَا غَيْرَهُ، إلَّا أَبَا بَكْرِ بْنَ الْمُنْذِرِ فَإِنَّهُ قَالَ: لَهُ خِيَارُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بَعْدَ الْحَلْبِ عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَإِنَّمَا قَالَ أَبُو حَامِدٍ بِأَنَّهَا مِنْ آثَارِ الْعَقْدِ كَخِيَارِ الشَّرْطِ عَلَى مَا سَأَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لَكِنَّ الْحَدِيثَ بِهَذَا اللَّفْظِ لَمْ يَصِحَّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

التَّنْبِيهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْأَلْفَاظَ الصَّحِيحَةَ فِي الْحَدِيثِ وَرَدَ فِيهَا"فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا"وَفِي الْأَلْفَاظِ الصَّحِيحَةِ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى"فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ"فَاللَّفْظُ الْأَوَّلُ يَقْتَضِي أَنَّ الْخِيَارَ بَعْدَ الْحَلْبِ. وَاللَّفْظُ الثَّانِي يَقْتَضِي أَنَّ مُدَّةَ الْخِيَارِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ. وَيَلْزَمُ مِنْ مَجْمُوعِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْخِيَارُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ابْتِدَاؤُهَا مِنْ الْحَلْبِ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا قَالَ بِهِ غَيْرَ ابْنِ الْمُنْذِرِ وأما: أَنْ يُعْمَلَ بِالْحَدِيثَيْنِ وَيُجْعَلَ أَحَدُهُمَا مُبَيِّنًا لِلْآخَرِ، فَيَلْزَمُ هَذَا الَّذِي لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ فِيمَا عَلِمْتُ غَيْرُ ابْنِ الْمُنْذِرِ وأما: أَنْ يُجْعَلَا مُتَعَارِضَيْنِ، فَتَقِفُ الدَّلَالَةُ عَلَى تَرْجِيحِ أَنَّ الْخِيَارَ يَمْتَدُّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.

وَالْجَوَابُ: عَنْ هَذَا أَنَّ قَوْلَهُ"فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا"مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ لِأَنَّ الرِّضَا وَالسُّخْطَ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الْحَلْبِ، وَتَبَيُّنِ الْحَالِ، وَالْحَلْبُ الْغَالِبُ أَنَّهُ يَقَعُ فِي الثَّلَاثَةِ، فَإِثْبَاتُ الْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ اقْتَضَى زِيَادَةً عَلَى مَا اقْتَضَاهُ قَوْلُهُ:"بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا"فَعَلِمْنَا بِالزَّائِدِ الْمُبَيِّنِ، وَحَمَلْنَا الْآخَرَ عَلَى الْغَالِبِ، وَهَذَا الْحَمْلُ لَا يَأْبَاهُ اللَّفْظُ بِخِلَافِ حَمْلِ قَوْلِهِ:"هُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا"عَلَى الْغَالِبِ، فَإِنَّهُ يَأْبَاهُ اللَّفْظُ، وَاللَّائِقُ بِإِرَادَةِ ذَلِكَ الْمَعْنَى أَنْ تَقُولَ: فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَعْدَ ثَلَاثٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت