فهرس الكتاب

الصفحة 3838 من 4102

ج / 11 ص -161- خِيَارُ الشَّرْطِ لِلْبَائِعِ وَحْدَهُ، وَلَا لِلْمُشْتَرِي وَحْدَهُ، وَأَمَّا شَرْطُهُ لَهُمَا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَمْتَنِعَ أَيْضًا أَخْذًا مِمَّا قَالَهُ الْجُورِيُّ وَمِمَّا قُلْتُهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجُوزَ، وَلَا يَمْتَنِعُ التَّصَرُّفُ بِالْحَلْبِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ اسْتِمْرَارُ الْعَقْدِ وَمِنْهُ ثَبَتَا، وَفِي الصُّورَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْجُورِيُّ نَظَرٌ فِي أَنَّهُ إذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي بِالشَّرْعِ لِأَجْلِ التَّصْرِيَةِ، فَلَوْ صَحَّحْنَا اشْتِرَاطَ الْخِيَارِ مَعَ ذَلِكَ لِلْبَائِعِ هَلْ يَكُونُ ثُبُوتُ الْخِيَارِ لَهُمَا بِهَذَيْنِ الشَّيْئَيْنِ كَثُبُوتِهِ بِالشَّرْطِ حَتَّى لَا يَحْكُمَ بِالْمِلْكِ حِينَئِذٍ أَوْ لَا؟ لَا؛ لِاخْتِلَافِ سَبَبِهِمَا وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فرع: إذَا اشْتَرَاهَا وَهِيَ مُصَرَّاةٌ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهَا حَتَّى ثَبَتَ لَبَنُهَا عَلَى الْحَدِّ الَّذِي أَشْعَرَتْ بِهِ التَّصْرِيَةُ وَصَارَ عَادَةً بِتَغَيُّرِ الْمَرْعَى، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أحدهما: لَهُ الْخِيَارُ لِلتَّدْلِيسِ والثاني: لَا؛ لِعَدَمِ الضَّرَرِ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ قلت: وَهَذَا عَلَى رَأْيِهِ فِي أَنَّهُ خِيَارُ عَيْبٍ، وَشَبَّهُوا هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ بِالْوَجْهَيْنِ فِيمَا إذَا لَمْ يُعْرَفْ الْعَيْبُ الْقَدِيمُ إلَّا بَعْدَ زَوَالِهِ، وَبِالْقَوْلَيْنِ فِيمَا إذَا أُعْتِقَتْ الْأَمَةُ تَحْتَ عَبْدٍ وَلَمْ يَعْلَمْ عِتْقَهَا حَتَّى عَتَقَ الزَّوْجُ، وَفِي تَعْلِيقٍ سَلِيمٍ عَنْ أَبِي حَامِدٍ، قَالَ الشَّيْخُ: أَمَّا الْقَوْلَانِ فَعَلَى مَا قَالَ. وَكَذَلِكَ مَسْأَلَةُ الْعَيْبِ، فَأَمَّا هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فَلَا أَعْرِفُ لِإِثْبَاتِ الْخِيَارِ وَجْهًا لِأَنَّ نُقْصَانَ اللَّبَنِ لَيْسَ بِعَيْبٍ فِي الْأَصْلِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ تُثْبِتُ الْخِيَارَ لِلْجَمْعِ وَقَدْ اسْتَدَامَ لَهُ ذَلِكَ.

قلت: وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بَلْ لَهُ وَجْهٌ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ الْعَارِضَةَ عَلَى خِلَافِ الْجِبِلَّةِ لَا يُوثَقُ بِدَوَامِهَا، بِخِلَافِ اللَّبَنِ الْمُعْتَادِ مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ. وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْكَلَامَ فِي هَذَا الْفَرْعِ إذَا جَعَلْنَا لَهُ الرَّدَّ مِنْ بَابِ الْعَيْبِ. أَمَّا مَنْ يَجْعَلُ الْخِيَارَ بِالشَّرْعِ وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ فِي الثَّلَاثَةِ فَلَهُ الرَّدُّ بِلَا إشْكَالٍ، وَبَنَى الْجُرْجَانِيُّ الْوَجْهَيْنِ عَلَى أَنَّ الْخِيَارَ هَلْ هُوَ خِيَارُ خُلْفٍ أَوْ خِيَارُ عَيْبٍ؟ فَإِنْ جَعَلْنَاهُ خِيَارَ خُلْفٍ فَلَا يَثْبُتُ هَهُنَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخْلِفْ، وَإِنْ جَعَلْنَاهُ خِيَارَ عَيْبٍ فَيَنْبَنِي عَلَى أَنَّ مَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً وَبِهَا عَيْبٌ فَلَمْ يُعْرَفْ إلَّا بَعْدَ زَوَالِهِ هَلْ يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ؟.

قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"فَإِنْ اخْتَارَ رَدَّ الْمُصَرَّاةِ؛ رَدَّ بَدَلَ اللَّبَنِ الَّذِي أَخَذَهُ، وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِيهِ، فَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ"صَاعًا مِنْ تَمْرٍ"وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ"مِثْلَ أَوْ مِثْلَيْ لَبَنِهَا قَمْحًا"وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ، فَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ ابْنُ سُرَيْجٍ: يَرُدُّ فِي كُلِّ بَلَدٍ مِنْ غَالِبِ قُوتِهِ، وَحَمَلَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى مَنْ قُوتُ بَلَدِهِ التَّمْرُ، وَحَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ عَلَى مَنْ قُوتُ بَلَدِهِ الْقَمْحُ، كَمَا قَالَ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ:"وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ"وَأَرَادَ التَّمْرَ لِمَنْ قُوتُهُ التَّمْرُ، وَالشَّعِيرَ لِمَنْ قُوتُهُ الشَّعِيرُ. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: الْوَاجِبُ صَاعٌ مِنْ التَّمْرِ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَتَأَوَّلَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ عَلَيْهِ إذَا كَانَ مِثْلُ لَبَنِهَا مِنْ الْقَمْحِ أَكْثَرَ قِيمَةً مِنْ صَاعِ التَّمْرِ فَتَطَوَّعَ بِهِ."

الشرح: رِوَايَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ تَقَدَّمَ بَيَانُهُمَا. وَأَنَّ الرِّوَايَةَ إلَى ابْنِ عُمَرَ غَيْرُ قَوِيَّةٍ.

أَمَّا الْأَحْكَامُ: فَالْمُشْتَرِي لِلْمُصَرَّاةِ إمَّا أَنْ يَخْتَارَ إمْسَاكَهَا وَإِمَّا أَنْ يَخْتَارَ رَدَّهَا، وَإِذَا اخْتَارَ الرَّدَّ فَإِمَّا قَبْلَ الْحَلْبِ وَإِمَّا بَعْدَهُ، وَإِذَا كَانَ بَعْدَهُ فَإِمَّا مَعَ بَقَاءِ اللَّبَنِ وَإِمَّا بَعْدَ تَلَفِهِ، فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ الْحَالَتَيْنِ الْأُولَتَيْنِ لِسُهُولَةِ الْأَمْرِ فِيهِمَا. وَذَكَرَ الْحَالَتَيْنِ الْآخِرَتَيْنِ إحْدَاهُمَا فِي هَذِهِ الْقِطْعَةِ مِنْ الْفَصْلِ، وَالْأُخْرَى فِي الْقِطْعَةِ الَّتِي سَتَأْتِي فِي كَلَامِهِ إنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت