فهرس الكتاب
ج / 11 ص -163- أَمَّا عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ كَابْنِ سُرَيْجٍ أَوْ عَنْ الشَّافِعِيِّ كَمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُ الْجُورِيِّ قَوْلَيْنِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَلَكَ أَنْ تَعْتَمِدَ عَلَى ذَلِكَ فِي حِكَايَةِ الْخِلَافِ عَلَى هَذِهِ الْمَقَالَاتِ الثَّلَاثِ، وَكُلُّهَا ضَعِيفَةٌ وَالصَّحِيحُ خِلَافُهَا كَمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَدْ نَقَلَ الْأَئِمَّةُ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ جَعَلَ اخْتِلَافَ الْأَحَادِيثِ عَلَى ذَلِكَ. وَأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم اخْتَلَفَ لَفْظُهُ لِذَلِكَ فَقَالَ:"صَاعًا مِنْ تَمْرٍ بِالْمَدِينَةِ"لِأَنَّ غَالِبَ قُوتِهَا التَّمْرُ وَكَانَتْ الْحِنْطَةُ بِهَا عَزِيزَةً وَقَالَ:"صَاعًا مِنْ طَعَامٍ لَا سَمْرَاءَ"حَيْثُ يَكُونُ الْغَالِبُ مِنْ الْقُوتِ الشَّعِيرَ أَوْ الذُّرَةَ أَوْ الْأَرُزَّ، وَقَالَ:"مِثْلُ لَبَنِهَا قَمْحًا"وَأَرَادَ بِهِ الصَّاعَ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ مِثْلُ اللَّبَنِ الَّذِي فِي الضَّرْعِ. وَقَصَدَ بِهِ اللَّبَنَ الَّذِي يَكُونُ ذَلِكَ غَالِبَ قُوتِهِ.
وَوَرَاءَ هَذِهِ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ غَيْرِ الْقَوْلِ بِتَعَيُّنِ التَّمْرِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ رحمه الله وَجْهٌ رَابِعٌ أَنَّهُ يَرُدُّ صَاعًا مِنْ أَيِّ الْأَقْوَاتِ الْمُزَكَّاةِ شَاءَ. مِنْ تَمْرٍ أَوْ بُرٍّ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ زَبِيبٍ، وَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى التَّخْيِيرِ. نَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْلُ الْمَحَامِلِيُّ عَنْهُ لِلْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ بَعْدَ حِكَايَةِ هَذَا الْقَوْلِ: وَقَوْلُهُ:"مِثْلَيْ لَبَنِهَا قَمْحًا"لِأَنَّهُ فِي الْغَالِبِ يَكُونُ صَاعًا لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي الْغَنَمِ أَنْ تَكُونَ الْحَلْبَةُ نِصْفَ صَاعٍ. يَعْنِي وَيَكُونُ تَرَدُّدُ الرِّوَايَةِ فِي ذَلِكَ مَحْمُولًا عَلَى التَّنْوِيعِ، مِثْلُ لَبَنِهَا إنْ كَانَ كَثِيرًا، وَقَدْرُ لَبَنِهَا إنْ كَانَ كَبِيرًا قَدْرَ صَاعٍ، أَوْ مِثْلَيْ لَبَنِهَا إنْ كَانَ قَلِيلًا، وَهُوَ الْغَالِبُ عَلَى الشِّيَاهِ فِي بِلَادِهِمْ.
وَمِمَّنْ ذَهَبَ إلَى هَذَا الْوَجْهِ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِهِ الْمُسْتَخْرَجِ عَلَى صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: وَفِي قَوْلِهِ:"صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ لَا سَمْرَاءَ"دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى هُوَ الْمَقْصُودُ لَا الِاقْتِصَارُ عَلَى اللَّفْظِ؛ لِأَنَّ التَّمْرَ اسْمٌ لِنَوْعٍ مَعْرُوفٍ، وَقَوْلُهُ:"سَمْرَاءَ"لَوْ كَانَ نَوْعُ التَّمْرِ هُوَ الْمَقْصُودُ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ لَا سَمْرَاءَ مَعْنًى، فَثَبَتَ أَنَّ الْمَعْنَى التَّمْرُ، وَمَا قَامَ مَقَامَهُ لَا يُكَنَّى سَمْرَاءَ.
قلت: وَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ. وَلَيْسَتْ لَا: مُتَعَيَّنَةً فِي الْإِخْرَاجِ، وَإِنَّمَا هِيَ هُنَا عَاطِفَةٌ، مِثْلُهَا فِي قَوْلِكَ: جَاءَنِي رَجُلٌ لَا امْرَأَةٌ وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ نَفْيُ تَوَهُّمِ أَنْ تَكُونَ السَّمْرَاءُ مُجْزِئَةً. فَهَذِهِ الْأَوْجُهُ الْأَرْبَعَةُ مُشْتَرِكَةٌ فِي أَنَّ التَّمْرَ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ. بَلْ يَقُومُ مَقَامَهُ غَيْرُهُ، وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالُوا بِأَنَّ غَيْرَهُ يَقُومُ مَقَامَهُ قَصَرُوا ذَلِكَ عَلَى الْأَقْوَاتِ كَمَا فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ هَهُنَا فِي التَّخْيِيرِ أَوْ فِي اعْتِبَارِ الْغَالِبِ مِنْ قُوتِ الْبَلَدِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ التَّمْرِ. قَالَ الْإِمَامُ: لَكِنْ لَا نَتَعَدَّى هُنَا إلَى الْأَقِطِ بِخِلَافِ مَا فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ لِلْخَبَرِ. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْإِمَامُ يُوَافِقُهُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمَاوَرْدِيُّ فِي نَقْلِ قَوْلِ التَّخْيِيرِ.
وقوله: إنَّ ذَلِكَ فِي الْأَقْوَاتِ الْمُزَكَّاةِ وَإِنْ كَانَ قَدْ أَطْلَقَ النَّقْلَ فِي قَوْلِ الْإِصْطَخْرِيِّ وَوَرَاءَ هَذِهِ الْأَوْجُهِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ التَّمْرَ لَا يَتَعَيَّنُ وَجْهٌ خَامِسٌ عَنْ حِكَايَةِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ، وَاخْتُلِفَ فِي التَّعْبِيرِ عَنْهُ (فَقَالَ وَلَدُهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ) وَهُوَ أَعْرَفُ بِمُرَادِهِ: ذَكَرَ شَيْخِي مَسْلَكًا غَرِيبًا زَائِدًا عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ فِي طُرُقِهِمْ فَقَالَ: مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: يُجْرَى فِي اللَّبَنِ عَلَى قِيَاسِ الْمَضْمُونَاتِ فَإِنْ بَقِيَ