فهرس الكتاب
ج / 11 ص -164- عَيْنُهُ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ؛ رَدَّهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ رَدُّ غَيْرِهِ، وَإِنْ تَغَيَّرَ مِثْلُهُ. فَإِنَّ اللَّبَنَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ. فَإِنْ أَعْوَزَ الْمِثْلَ فَالرُّجُوعُ إلَى الْقِيمَةِ. وَقَدْ أَوْمَأَ إلَيْهِ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ وَلَمْ يُصَرِّحْ. وَهَذَا عِنْدِي غَلَطٌ صَرِيحٌ وَتَرْكٌ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رحمه الله بَلْ هُوَ حَيْدٌ عَنْ مَأْخَذِ مَذْهَبِهِ. وَيَبْطُلُ عَلَيْهِ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي مَسْأَلَةِ الْمُصَرَّاةِ، وَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْخِيَارُ فَإِنْ اعْتَمَدْنَا فِيهِ الْخَبَرَ لَمْ يَبْعُدْ مِنْ الْخَصْمِ حَمْلُهُ عَلَى شَرْطِ الْغَزَارَةِ مَعَ تَأْكِيدِ الشَّرْطِ بِالتَّحْفِيلِ، فَهُوَ إذَنْ هَفْوَةٌ غَيْرُ مَعْدُودَةٍ مِنْ الْمَذْهَبِ لَا عَوْدَ إلَيْهَا. هَذَا مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ وَهُوَ أَعْرَفُ بِمُرَادِ وَالِدِهِ وَالْأَمْرُ فِي تَضْعِيفِهِ كَمَا ذَكَرَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ مُجَانِبٌ لِلْحَدِيثِ وَالْمَذْهَبِ. وَيَقْتَضِي أَنَّ التَّمْرَ لَيْسَ الْوَاجِبَ أَصْلًا وَأَنَّهُ عِنْدَ تَلَفِ اللَّبَنِ الْوَاجِبِ رَدُّ مِثْلِهِ وَالرَّافِعِيُّ رحمه الله صَدَّرَ كَلَامَهُ بِأَنَّهُ يُرَدُّ التَّمْرُ ثُمَّ جَعَلَ مَا حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله عَلَى أَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ التَّمْرِ غَيْرُهُ حَتَّى لَوْ عَدَلَ إلَى مِثْلِ اللَّبَنِ أَوْ إلَى قِيمَتِهِ عِنْدَ إعْوَازِ الْمِثْلِ أُجْبِرَ الْبَائِعُ عَلَى الْقَبُولِ اعْتِبَارًا بِسَائِرِ الْمُتْلَفَاتِ، وَفِي هَذَا تَأْوِيلٌ لِكَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ رحمه الله وَأَنَّ إيرَادَهُ يَرُدُّهُ إنْ شَاءَ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ رَدُّهُ حَتْمًا، وَذَلِكَ مُوَافِقٌ لِمَا سَيَأْتِي فِي الْكِتَابِ فِي هَذَا الْفَصْلِ أَنَّ الْبَائِعَ يُجْبَرُ - عَلَى وَجْهٍ - عَلَى قَبُولِ اللَّبَنِ إذَا كَانَ بَاقِيًا، وَمَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ إلَى هَذَا التَّأْوِيلِ، وَقَالَ: إنَّ كَلَامَ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ رحمه الله فِي السِّلْسِلَةِ يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ، لَكِنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ يَأْبَاهُ ظَاهِرُ حِكَايَةِ الْإِمَامِ عَنْهُ. وقوله: إنَّهُ يُجْرَى فِي اللَّبَنِ عَلَى قِيَاسِ الْمَضْمُونَاتِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْوَجْهَ الَّذِي سَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ رحمه الله إنَّمَا هُوَ فِي حَالَةِ بَقَاءِ اللَّبَنِ، وَالْإِمَامُ - وَإِنْ كَانَ كَلَامُهُ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ فِي حَالَةِ بَقَاءِ اللَّبَنِ أَيْضًا - لَكِنَّ قَوْلَهُ: إنَّهُ عَلَى قِيَاسِ الْمَضْمُونَاتِ نَعَمْ، وَأَيْضًا كَلَامُ الرَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ: إنَّمَا هُوَ فِي حَالَةِ التَّلَفِ، فَإِنْ حُمِلَ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ عَلَى بُعْدِهِ وَأَنَّ الْوَاجِبَ الْأَصْلِيَّ هُوَ التَّمْرُ وَلَهُ أَنْ يَعْدِلَ عَنْهُ إلَى مِثْلِهِ فَعَلَى بُعْدِهِ لَيْسَ عَلَى قِيَاسِ الْمَضْمُونَاتِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْإِمَامِ عَنْهُ، وَهُوَ وَجْهٌ آخَرُ غَيْرُ مَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ فِي الْحَالَتَيْنِ أَعْنِي حَالَةَ تَلَفِ اللَّبَنِ، وَحَالَةَ بَقَائِهِ خِلَافًا لِمَا قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ، أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ خَارِجًا عَنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ ظَاهِرَ مَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ، فَفِي ذَلِكَ مُخَالَفَةٌ لِمَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ، وَهُوَ فِي غَايَةِ الْمُصَادَمَةِ لِلْحَدِيثِ وَالْمَذْهَبِ.
قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: لَكِنْ لَهُ وَجْهٌ، فَإِنَّ اللَّبَنَ الْكَائِنَ فِي الضَّرْعِ قَبْلَ الْحَلْبِ يَسِيرٌ لَا يُتَمَوَّلُ فَصَارَ تَابِعًا لِمَا فِي الضَّرْعِ كَمَا إذَا اخْتَلَطَ بِالثَّمَرَةِ الْمَبِيعَةِ وَنَحْوِهَا شَيْءٌ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ لَا قِيمَةَ لَهُ فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ التَّسْلِيمِ عَلَيْهِ لِلْمُشْتَرِي، وَلِهَذَا حَكَى الْمَاوَرْدِيُّ طَرِيقَةً قَاطِعَةً بِأَنَّهُ إذَا اشْتَرَى رَطْبَةً فَلَمْ يَأْخُذْهَا حَتَّى طَالَتْ أَنَّ الزِّيَادَةَ تَكُونُ لِلْمُشْتَرِي كَكِبَرِ الثَّمَرَةِ، وَقَدْ حَكَى الْإِمَامُ مِثْلَ ذَلِكَ عَنْ شَيْخِهِ فِيمَا إذَا بَاعَ صَاعًا مِنْ اللَّبَنِ الَّذِي فِي الضَّرْعِ، وَقَدْ رَأَى مِنْهُ أُنْمُوذَجًا فَقَالَ: وَكَأَنَّ شَيْخِي سَابِقٌ فِي التَّصْوِيرِ، وَيَقُولُ: إذَا ابْتَدَرَ حَلْبَهُ وَاللَّبَنُ عَلَى كَمَالِ الدَّرَّةِ لَمْ يَظْهَرْ اخْتِلَاطُ شَيْءٍ بِهِ، لَهُ قَدْرٌ بِهِ سَأَلَاهُ وَإِنْ فُرِضَ شَيْءٌ عَلَى نُدُورٍ لِمِثْلِهِ مُحْتَمَلٌ، كَمَا إذَا بَاعَ جَزَّةً مِنْ قَرَظٍ.
قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَالْخَبَرُ عَلَى هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا اقْتَضَاهُ ظَاهِرُهُ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الرَّدَّ بَعْدَ ثَلَاثٍ، وَاللَّبَنُ إذْ ذَاكَ يَكُونُ تَالِفًا فِي الْغَالِبِ، نَعَمْ الْمُشْكِلُ قَوْلُهُ: عِنْدَ تَعْيِينِ اللَّبَنِ، يَعْنِي بِالْحُمُوضَةِ