فهرس الكتاب
ج / 11 ص -165- بِوُجُوبِ رَدِّ مِثْلِهِ. وَالْخَبَرُ إذَا خَرَجَ مَخْرَجِ الْغَالِبِ يُوجِبُ رَدَّ غَيْرِهِ، فَالْغَرَابَةُ فِي هَذَا، لَكِنَّهُ قِيَاسُ إيجَابِ رَدِّ اللَّبَنِ عِنْدَ عَدَمِ التَّغَيُّرِ نَظَرًا إلَى جَعْلِ زِيَادَةِ اللَّبَنِ بِالْحَلْبِ تَابِعَةً، وَإِذَا وَجَبَ رَدُّ الْمِثْلِ فَتَعَذَّرَ كَانَ الْوَاجِبُ قِيمَتَهُ.
قلت: وَهَذَا التَّكَلُّفِ عَلَى طُولِهِ لَيْسَ فِيهِ مُحَافَظَةٌ عَلَى ظَاهِرِ مَا نُقِلَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ مِنْ الْجَرْيِ عَلَى قِيَاسِ الْمَضْمُونَاتِ فَإِنَّ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ مُقْتَصِرٌ عَلَى حَالَةِ بَقَاءِ اللَّبَنِ، وَحُمِلَ الْحَدِيثُ عَلَى الْغَالِبِ ثُمَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُتَّجَهٍ مِنْ وَجْهَيْنِ: أحدهما: أَنَّ مُقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ لَا يَجُوزَ الرَّدُّ قَبْلَ ثَلَاثٍ، وَهُوَ لَا يَقُولُ بِذَلِكَ عَلَى مَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ والثاني: أَنَّ غَايَةَ ذَلِكَ إبْدَاءُ وَجْهٍ مِنْ الْقِيَاسِ لِرَدِّ اللَّبَنِ، وَنَحْنُ لَا نَذْكُرُ أَنَّ الْقِيَاسَ قَدْ يَقْتَضِي ذَلِكَ وَلَكِنَّ الْمُتَّبَعَ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثُ وَهُوَ عُمْدَةُ الْمَذْهَبِ فِي ذَاكَ فَالْعُدُولُ عَنْهُ خُرُوجٌ عَنْ الْمَذْهَبِ، وَكَلَامُ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ فِي السِّلْسِلَةِ مُقْتَصِرٌ بِظَاهِرِهِ عَلَى حَالَةِ التَّلَفِ فَإِنَّهُ قَالَ فِي حِكَايَةِ الْوَجْهِ: لِلْمُشْتَرِي جَبْرُ الْبَائِعِ عَلَى قَبُولِ الْمِثْلِ إنْ كَانَ الْمِثْلُ مَوْجُودًا، وَإِلَّا عَدَلَ إلَى الدَّرَاهِمِ كَسَائِرِ الْمُتْلَفَاتِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
فَهَذِهِ الْخَمْسَةُ الْأَوْجَهِ عَلَى مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ يَجْمَعُهَا الْقَوْلُ بِأَنَّ التَّمْرَ لَا يَتَعَيَّنُ، وَعَلَى مَا يُشْعِرُ بِهِ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ: الْأَرْبَعَةُ الْأُولَى مُشْتَرِكَةٌ فِي ذَلِكَ، وَهَذَا الْخَامِسُ لَا يُشَارِكُهَا بَلْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ رَدُّ اللَّبَنِ أَوْ مِثْلِهِ أَوْ قِيمَتِهِ عَلَى الْأَحْوَالِ الَّتِي ذَكَرَهَا، وَيُقَابِلُ ذَلِكَ كُلَّهُ الْوَجْهُ الثَّانِي الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ اتِّبَاعًا لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، مِمَّنْ صَحَّحَ هَذَا الْوَجْهَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي السِّلْسِلَةِ، وَالرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ وَمِمَّنْ نَسَبَهُ إلَى أَبِي إِسْحَاقَ كَمَا نَسَبَهُ الْمُصَنِّفُ رحمه الله الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُمْ.
وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ لِهَذَا الْوَجْهِ فَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: عَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ الْعُدُولُ إلَى غَيْرِ التَّمْرِ. وَلَوْ أَعْوَزَ التَّمْرَ أَعْطَى قِيمَتَهُ. وَفِي قِيمَتِهِ وَجْهَانِ: أحدهما: قِيمَتُهُ فِي أَقْرَبِ بِلَادِ التَّمْرِ إلَيْهِ والثاني: قِيمَتُهُ بِالْمَدِينَةِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْبَغَوِيُّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ: إنَّهُ إنْ عَدَلَ إلَى مَا هُوَ أَعْلَى مِنْهُ جَازَ، وَإِنْ عَدَلَ إلَى مَا هُوَ دُونَهُ لَا يَجُوزُ إلَّا بِرِضَا الْبَائِعِ، هَكَذَا قَالَ الْبَغَوِيّ وَفِيهِ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّهُ إذَا عَدَلَ إلَى الْأَعْلَى جَازَ مِنْ غَيْرِ رِضَا الْبَائِعِ، وَكَلَامُ الْبَغَوِيِّ يَقْتَضِي أَنَّ الْحِنْطَةَ أَعْلَى مِنْ التَّمْرِ، وَكَلَامُ أَبِي الطَّيِّبِ مُصَرِّحٌ بِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ أَعْلَى وَقَدْ تَكُونُ أَدْوَنَ، وَكَأَنَّهُ رَاعَى فِي ذَلِكَ الْقِيمَةَ، وَكَأَنَّ الْبَغَوِيَّ رَاعَى فِي ذَلِكَ الِاقْتِيَاتَ فَحَصَلَ مِنْ هَذَيْنِ النَّقْلَيْنِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ وَجْهَانِ.
وَالْعَجَبُ أَنَّ الرَّافِعِيَّ رحمه الله عُمْدَتُهُ التَّهْذِيبُ: وَلَمْ يَحْكِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ مَا حَكَاهُ الْبَغَوِيّ فِيهِ، وَإِنَّمَا حَكَى عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ مَا حَكَيْنَاهُ عَنْ نَقْلِ الْمَاوَرْدِيُّ، وَلَمْ يَحْكِ عَنْ الْمَاوَرْدِيُّ أَيْضًا عِنْدَ الْإِعْوَازِ إلَّا اعْتِبَارَ قِيمَةِ الْمَدِينَةِ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ مُنْطَبِقٌ عَلَى مَا حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْبَغَوِيُّ. فَقَدْ اجْتَمَعَ فِي جِنْسِ الْمَرْدُودِ مَعَ الْمُصَرَّاةِ سَبْعَةُ أَوْجُهٍ، وَلَكَ فِي تَرْتِيبِهَا طَرِيقَانِ أحدهما: أَنْ تَقُولَ: فِي الْوَاجِبِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أحدها: عَلَى قِيَاسِ الْمَضْمُونَاتِ عَلَى ظَاهِرِ مَا حَكَاهُ الْإِمَامُ.
والثاني: التَّمْرُ والثالث: جِنْسُ الْأَقْوَاتِ فإن قلنا: بِالتَّمْرِ فَهَلْ نَعْدِلُ إلَى أَعْلَى مِنْهُ أَوْ إلَى غَالِبِ