فهرس الكتاب
ج / 11 ص -166- قُوتِ الْبَلَدِ، أَوْ يُفَرَّقُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ التَّمْرُ مَوْجُودًا فَتَعَيَّنَ، أَوْ مَعْدُومًا فَيُعْدَلُ إلَى الْغَالِبِ؟ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ وإن قلنا: بِالْأَقْوَاتِ فَهَلْ يَتَعَيَّنُ الْغَالِبُ أَوْ يَتَخَيَّرُ؟ وَجْهَانِ.
وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ نَقُولَ: الْوَاجِبُ التَّمْرُ، وَهَلْ يَتَعَيَّنُ؟ وَجْهَانِ فَإِنَّ قُلْنَا: يَتَعَيَّنُ فَهَلْ يُعْدَلُ إلَى أَعْلَى مِنْهُ؟ وَجْهَانِ. وإن قلنا: لَا يَتَعَيَّنُ، فَهَلْ يَقُومُ مَقَامَهُ الْأَقْوَاتُ، أَوْ الْأَقْوَاتُ وَغَيْرُهَا؟ وَجْهَانِ الثاني: قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ وَإِنْ قُلْنَا: الْأَقْوَاتُ وَحْدَهَا، فَهَلْ يَتَخَيَّرُ أَوْ يَتَعَيَّنُ الْغَالِبُ؟ وَجْهَانِ، وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ مُقْتَضَى تَرْتِيبِ الرَّافِعِيِّ، وَلَيْسَ فِي كَلَامِ الرَّافِعِيِّ رحمه الله إلَّا أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ، وَلَمْ يَحْكِ وَجْهَ الْعُدُولِ إلَى الْأَعْلَى وَلَا التَّفْرِقَةِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ التَّمْرُ مَوْجُودًا أَوْ مَعْدُومًا وَلَا وَجْهَ الْجَرْيِ عَلَى قِيَاسِ الْمَضْمُونَاتِ عَلَى ظَاهِرِ مَا حَكَاهُ الْإِمَامُ وَلَيْسَ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ إثْبَاتَ وَجْهٍ ثَامِنٍ جَمْعًا بَيْنَ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْإِمَامِ وَكَلَامُ الرَّافِعِيِّ فِي النَّقْلِ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ اخْتِلَافٌ فِي فَهْمِ كَلَامِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ إثْبَاتُ وَجْهَيْنِ لَوْ ثَبَتَا جَمِيعًا عَنْهُ، أَوْ قَائِلِينَ: وَلَيْسَ الْأَمْرُ هَهُنَا عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ.
فَإِنْ قُلْتَ: مَا ذَكَرْتَ أَنَّ الرَّافِعِيَّ سَكَتَ عَنْهُ مِمَّا حَكَاهُ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَدْ شَمِلَهُ قَوْلُ الرَّافِعِيِّ رحمه الله إنَّ الِاعْتِبَارَ بِغَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ يَعْنِي فِي الْقِيَامِ مَقَامَ التَّمْرِ فَهَذَا هُوَ الْعُدُولُ مِنْ التَّمْرِ إلَى أَعْلَى مِنْهُ.
قلت: لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ غَالِبُ قُوتِ الْبَلَدِ أَعْلَى مِنْ التَّمْرِ عَلَى الْإِطْلَاقِ لَا فِي الِاقْتِيَاتِ وَلَا فِي الْقِيمَةِ، فَقَدْ يَكُونُ بَلَدٌ غَالِبُ قُوتِهِ قُوتٌ هُوَ أَدْنَى مِنْ التَّمْرِ قُوتًا وَقِيمَةً، وَقَدْ نَقَلَ الْأَصْحَابُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّهُ جَعَلَ تَرْتِيبَ الْأَخْبَارِ عَلَى الْقَوْلِ الْمَنْقُولِ عَنْهُ، كَمَا أَشَارَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله إلَيْهِ، فَصَرَّحَ بِالتَّمْرِ فِي حَدِيثٍ وَفِي آخَرَ قَالَ:"مِنْ طَعَامٍ"وَأَرَادَ التَّمْرَ. وَفِي آخَرَ قَالَ:"قَمْحًا"وَذَلِكَ إذَا كَانَ الْقَمْحُ أَعَزَّ، وَرَضِيَ بِذَلِكَ.
وَحَيْثُ قَالَ:"مِثْلُ"أَوْ"مِثْلَيْ لَبَنِهَا"أَرَادَ إذَا كَانَ قَدْرُ ذَلِكَ صَاعًا، وَهَذَا التَّرْتِيبُ يُوَافِقُ مَا حَكَاهُ عَنْهُ الْمُصَنِّفُ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْبَغَوِيُّ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ عَنْهُ. وأما: مَا حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرَّافِعِيُّ فَلَا يُوَافِقُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إخْرَاجُ غَيْرِ التَّمْرِ أَصْلًا.
فَإِنْ قُلْتَ: مَا الصَّحِيحُ مِنْ هَذِهِ الْأَوْجُهِ؟ قُلْتُ: الصَّحِيحُ أَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ التَّمْرُ؛ لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ مُصَرِّحَةٌ بِالتَّمْرِ، وَاَلَّتِي فِيهَا الطَّعَامُ مُطْلَقًا مَحْمُولَةٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُقَيَّدِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي فِيهِ الْقَمْحُ فَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى ضَعْفِ طَرِيقِهِ، وَلَا حَاجَةَ إلَى مَا تَأَوَّلَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ وَأَبُو إِسْحَاقَ عَلَيْهِ فَيَكُونُ الصَّحِيحُ أَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ التَّمْرُ لَا شُبْهَةَ فِيهِ. لَكِنْ هَلْ يَتَعَيَّنُ وَلَا يَجُوزُ غَيْرُهُ كَمَا نَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ؟ أَوْ يَقُومُ مَقَامَهُ مَا هُوَ أَعْلَى مِنْهُ كَمَا نَقَلَهُ الْبَاقُونَ؟ هَذَا مَحَلُّ النَّظَرِ، وَقَدْ قَالَ الرَّافِعِيُّ:
إنَّ الْأَصَحَّ عِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ التَّمْرُ وَلَا يُعْدَلُ عَنْهُ وَلَمْ يَحْكِ الرَّافِعِيُّ عَنْ أَبِي