فهرس الكتاب
ج / 11 ص -167- إِسْحَاقَ غَيْرَ ذَلِكَ. وَظَاهِرُ ذَلِكَ تَصْحِيحٌ لِمَا نَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ. وَأَنَّ غَيْرَ التَّمْرِ لَا يَجُوزُ. كَذَلِكَ هُوَ فِي الْمُحَرَّرِ. وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ أَيْضًا، وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِرِضَا الْبَائِعِ وَسَيَأْتِي حُكْمُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
لَكِنْ قَدْ يُتَوَقَّفُ فِي هَذَا التَّصْحِيحِ لِأَمْرَيْنِ: أحدهما: أَنَّ حِكَايَةَ الْأَكْثَرِينَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّهُ يَجُوزُ الْعُدُولَ إلَى الْأَعْلَى، كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ، وَكَثْرَةُ الْقَائِلِينَ لِذَلِكَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ يَقْتَضِي عَلَى مَا نَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَيْنَهُ وَتَبَيَّنَ مُرَادُ أَبِي إِسْحَاقَ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَتَنَاوَلَ كَلَامَ الْمَاوَرْدِيُّ وَإِنْ كَانَ خِلَافَ الظَّاهِرِ لِيُوَافِقَ كَلَامَ الْأَكْثَرِينَ. وَإِذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ هَذَا الْوَجْهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ. وَلَيْسَ مَنْقُولًا عَنْ غَيْرِهِ فَكَيْفَ نَقْضِي بِصِحَّتِهِ؟ الثاني: أَنَّ الْأَصْحَابَ اتَّفَقُوا فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ الْعُدُولَ عَنْ الْقُوتِ الْوَاجِبِ إلَى قُوتٍ أَعْلَى مِنْهُ. فَإِذَا عُدِلَ عَنْ التَّمْرِ إلَى مَا هُوَ أَعْلَى يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ.
والأصح: أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِزِيَادَةِ الِاقْتِيَاتِ. وَالْقَمْحُ أَعْلَى بِذَلِكَ الِاعْتِبَارِ، وَإِنْ اعْتَبَرْنَا الْقِيمَةَ عَلَى الْوَجْهِ الْأَخِيرِ فَقَدْ يَكُونُ الْقَمْحُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ التَّمْرِ. فَلَوْ كَانَ التَّمْرُ فِي الْمُصَرَّاةِ مُتَعَيَّنًا حَتَّى لَا يَجُوزَ غَيْرُهُ، وَإِنْ كَانَ أَعْلَى.
فالجواب: أَمَّا اخْتِلَافُ النَّقْلِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ وَكَوْنُ ذَلِكَ يَقْتَضِي التَّوَقُّفَ فِي نِسْبَةِ هَذَا الْقَوْلِ إلَيْهِ أَوْ إلَى غَيْرِهِ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونَ مُتَحَقِّقًا، فَهُوَ بَحْثٌ صَحِيحٌ. وَلَكِنْ لَنَا أَنْ نَتَمَسَّكَ فِي أَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ التَّمْرُ بِظَاهِرِ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ رحمه الله. وَقَوْلُهُ: أَنْ يَرُدَّ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، وَقَوْلُهُ: إنَّ ذَلِكَ ثَمَنٌ وَاحِدٌ وَقَّتَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إذَا كَانَ نَصُّ الْحَدِيثِ وَنَصُّ صَاحِبِ الْمُهَذَّبِ يَقْتَضِي أَنَّ بَدَلَ اللَّبَنِ هُوَ التَّمْرُ فَيُمْكِنُ لِلْمُشْتَرِي مِنْ إعْطَاءِ بَدَلِهِ بِغَيْرِ رِضَا مُسْتَحِقِّهِ عَلَى خِلَافِ الْقَوَاعِدِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ. وَيَكْفِي التَّمَسُّكُ فِي الصَّحِيحِ بِنَصِّ صَاحِبِ الْمُهَذَّبِ الْمُسْتَنِدِ إلَى دَلِيلٍ. وَأَمَّا مَنْ يَشْتَرِطُ فِي التَّصْحِيحِ مُوَافَقَةَ مُعْظَمِ الْأَصْحَابِ فَيَحْتَاجُ إلَى بَيَانِ ذَلِكَ هَهُنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَلَمْ أَقِفْ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ عَلَى مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ، وَلَا عَلَى نِسْبَةِ الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ إلَى غَيْرِ أَبِي إِسْحَاقَ. نَعَمْ الْإِمَامُ قَالَ: ذَهَبَ ذَاهِبُونَ إلَى أَنَّ الْأَصْلَ التَّمْرُ فَلَا مَعْدِلَ عَنْهُ. وَهَذَا الَّذِي نَقَلَهُ الْإِمَامُ يُوَافِقُ مَا نَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْإِمَامِ بِالذَّاهِبِينَ أَبَا إِسْحَاقَ وَمُتَابِعِيهِ، وَيَعُودُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ جِهَةِ اخْتِلَافِ النَّقْلِ عَنْهُ. وَبِالْجُمْلَةِ فَمُسْتَنَدُ مَنْ لَمْ يَقُلْ مِنْ الْأَصْحَابِ عَلَى كَثْرَتِهِمْ بِتَعَيُّنِ التَّمْرِ اخْتِلَافُ الرِّوَايَةِ وَمَجِيءُ الْقَمْحِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ. وَقَالَ الْإِمَامُ: إنَّ ذَلِكَ الَّذِي مَهَّدَ لِأَصْحَابِ الْقُوتِ مَذْهَبَهُمْ وَإِلَّا فَالْأَصْلُ الِاتِّبَاعُ، وَأَنْتَ إذَا وَقَفْتَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّنْبِيهِ عَلَى ضَعْفِ رِوَايَةِ الْقَمْحِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي بَقِيَّةِ الرِّوَايَاتِ الَّتِي أُطْلِقَ فِيهَا الطَّعَامُ تَارَةً وَذُكِرَ التَّمْرُ أُخْرَى، لَمْ تُبَالِ بِمُخَالَفَةِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ إذَا اتَّبَعْتَ الْحَدِيثَ. وَنَصُّ الشَّافِعِيِّ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ اتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ الْعُدُولَ إلَى الْأَعْلَى، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ سَدُّ خُلَّةِ الْمَسَاكِينِ وَالْحَقُّ فِيهَا لِلَّهِ تَعَالَى، فَلَا يَحْصُلُ فِيهَا مِنْ التَّنَازُعِ