فهرس الكتاب

الصفحة 3845 من 4102

ج / 11 ص -168- وَالْخُصُومَةِ مَا يَحْصُلُ فِي غَيْرِهَا. وَهَذَانِ الْأَمْرَانِ مَقْصُودَانِ فِي مَسْأَلَةِ الْمُصَرَّاةِ فَإِنَّ الْحَقَّ فِيهَا لِلْآدَمِيِّ مَقْصُودُ الشَّارِعِ فِيهَا قَطْعُ النِّزَاعِ مَعَ مَا فِيهَا مِنْ ضَرْبِ الْعَبْدِ. فَقَدْ بَانَ وَوَضَحَ لَكَ أَنَّ الصَّحِيحَ وُجُوبُ التَّمْرِ وَتَعْيِينُهُ، وَلَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ سَوَاءٌ كَانَ أَعْلَى أَوْ أَدْنَى إلَّا بِرِضَا الْبَائِعِ فَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِيهِ. وَهَذَا الصَّحِيحُ خِلَافُ الْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي الْكِتَابِ لِمَا تَبَيَّنَ لَكَ أَنَّ مُرَادَهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّهُ يَعْدِلُ إلَى الْأَعْلَى، وَصَحَّحَ ابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ فِي الِانْتِصَارِ قَوْلَ ابْنِ سُرَيْجٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

هَذَا الْكَلَامُ فِي جِنْسِ الْوَاجِبِ، وَأَمَّا مِقْدَارُهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ أصحهما: أَنَّ الْوَاجِبَ صَاعٌ قَلَّ اللَّبَنُ أَوْ كَثُرَ وَإِنْ زَادَتْ قِيمَتُهُ عَلَى قِيمَةِ الصَّاعِ أَمْ نَقَصَتْ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ. وَهَذَا الَّذِي نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَيْهِ رحمه الله فِي الْجُزْءِ السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ الْأُمِّ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَإِلَيْهِ مَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ. وَالْمَعْنَى فِيهِ قَطْعُ النِّزَاعِ؛ لِأَنَّ الْمَوْجُودَ عِنْدَ الْبَيْعِ يَخْتَلِطُ بِالْحَادِثِ بَعْدَهُ، وَيَتَعَذَّرُ التَّمْيِيزُ فَتَوَلَّى الشَّرْعُ تَعْيِينَ بَدَلِهِ قَطْعًا لِلْخُصُومَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي الْجَوَابِ عَنْ الْوَجْهِ الرَّابِعِ مِنْ أَسْئِلَةِ الْحَنَفِيَّةِ الَّتِي ادَّعَوْا فِيهَا خُرُوجَ الْحَدِيثِ عَنْ الْقِيَاسِ.

والثاني: أَنَّ الْوَاجِبَ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ اللَّبَنِ لِرِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ الَّتِي فِيهَا:"مِثْلُ أَوْ مِثْلَيْ لَبَنِهَا". وَعَلَى هَذَا فَقَدْ يَزْدَادُ الْوَاجِبُ عَلَى الصَّاعِ وَقَدْ يَنْقُصُ، وَأَنَّ الْأَمْرَ بِالصَّاعِ كَانَ فِي وَقْتٍ عَلِمَ أَنَّهُ يَبْلُغُ مِقْدَارَ اللَّبَنِ. فَإِذَا زَادَ زِدْنَا وَإِذَا نَقَصَ نَقَصْنَا، وَهَذَا الْوَجْهُ بَعِيدٌ مُخَالِفٌ لِنَصِّ الشَّافِعِيِّ رحمه الله وَلِنَصِّ الْحَدِيثِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَعْفُ الرِّوَايَةِ الَّتِي تَمَسَّكَ بِهَا. وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْفُورَانِيُّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ هَكَذَا عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّا نَنْظُرُ إلَى قِيمَةِ اللَّبَنِ، وَنُؤَدِّي بِقَدْرِهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَبِهِ صَرَّحَ الرُّويَانِيُّ. وَكَذَلِكَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي السِّلْسِلَةِ ذَكَرَ الْوَجْهَيْنِ فِيمَا إذَا زَادَ لَبَنُ التَّصْرِيَةِ عَلَى قِيمَةِ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ. وَكَذَلِكَ الْإِمَامُ فِي النِّهَايَةِ، وَقَالَ الرُّويَانِيُّ: إنَّهُ ضَعِيفٌ، وَالْأَمْرُ كَمَا قَالَ فَإِنَّ كَلَامَ الشَّافِعِيِّ رحمه الله فِي الْأُمِّ يُصَرِّحُ بِخِلَافِهِ فَإِنَّهُ قَالَ: رُدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ، كَثُرَ اللَّبَنُ أَوْ قَلَّ، كَانَ قِيمَتَهُ أَوْ أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ شَيْءٌ وَقَّتَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ أَنْ جَمَعَ فِيهِ بَيْنَ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ، وَالْعِلْمُ يُحِيطُ أَنَّ أَلْبَانَ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ مُخْتَلِفَةُ الْكَثْرَةِ وَالْأَثْمَانِ، فَإِنَّ أَلْبَانَ كُلِّ الْإِبِلِ وَكُلِّ الْغَنَمِ مُخْتَلِفَةٌ.

وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الشَّافِعِيُّ رحمه الله هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا مَحِيصَ عَنْهُ وَلَوْ كَانَ الْوَاجِبُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ اللَّبَنِ لَفَاوَتَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ فَلَمَّا لَمْ يُفَاوِتْ بَيْنَهُمَا وَأَوْجَبَ فِيهِمَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، عُلِمَ قَطْعًا بُطْلَانُ هَذَا الْوَجْهِ. وَلَمْ أَرَ لِهَذَا الْوَجْهِ ذِكْرًا فِي طَرِيقِ الْعِرَاقِيِّينَ عَلَى هَذَا الْإِطْلَاقِ، وَإِنَّمَا فِي كَلَامِهِمْ وَكَلَامِ بَعْضِ الْخُرَاسَانِيِّينَ كَالْغَزَالِيِّ حِكَايَةُ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا زَادَتْ قِيمَةُ الصَّاعِ عَلَى قِيمَةِ نِصْفِ الشَّاةِ أَوْ كُلِّهَا مَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَوْلَا أَنَّ الرَّافِعِيَّ اعْتَدَّ بِهَذَا الْخِلَافِ وَحَكَاهُ، وَتَصْرِيحُ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ وَالْإِمَامِ وَالرُّويَانِيِّ لَكُنْتُ أَقُولُ: إنَّهُ يَجِبُ تَنْزِيلُهُ عَلَى مَا فِي كُتُبِ الْعِرَاقِيِّينَ، وَلَكِنْ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ ذَكَرُوهُ صَرِيحًا. وَالرَّافِعِيُّ حَكَى الْأَمْرَيْنِ فَقَالَ: إنَّ مِنْهُمْ مَنْ خَصَّ هَذَا الْوَجْهَ بِمَا إذَا زَادَتْ قِيمَةُ الصَّاعِ عَلَى نِصْفِ قِيمَةِ الشَّاةِ. وَقَطَعَ بِوُجُوبِ الصَّاعِ فِيمَا إذَا نَقَصَتْ عَنْ النِّصْفِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَهُ إطْلَاقًا. وَلَيْسَ فِي كَلَامِ الرَّافِعِيِّ هَذَا مَا يُؤَيِّدُ تَنْزِيلَ هَذَا الْإِطْلَاقِ عَلَى مَا فِي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت