فهرس الكتاب
ج / 11 ص -170- الْمَنْعُ فِي اعْتِيَاضِ الْبُرِّ عَنْ التَّمْرِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُعَدَّى ذَلِكَ إلَى كُلِّ مَطْعُومٍ فَأَمَّا أَنْ يَقُولَ قَوْلًا فَارِقًا بَيْنَ الْمَطْعُومِ وَغَيْرِهِ فَيَكُونَ قَوْلًا ثَالِثًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ يُعَمِّمُ الْمَنْعَ فِي الْجَمِيعِ تَشْبِيهًا لَهُ بِالثَّمَنِ فِي الذِّمَّةِ، فَيَكُونَ قَدْ وَافَقَ ابْنَ الْمُنْذِرِ فِي الْحُكْمِ وَخَالَفَهُ فِي الْمَأْخَذِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا لَهُ فِي الْحُكْمِ وَالْمَأْخَذِ مَعًا، وَيَمْنَعُ الِاعْتِيَاضَ عَنْ الطَّعَامِ فِي الذِّمَّةِ وَإِنْ كَانَ حَالًّا وَهُوَ خِلَافُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ رحمه الله.
وَلَيْسَ فِي عِبَارَةِ صَاحِبِ التَّهْذِيبِ نَفْيُ الْخِلَافِ مُطْلَقًا كَمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ رحمه الله حَتَّى يُسْتَدْرَكَ عَلَيْهِ كُلُّ خِلَافٍ، وَإِنَّمَا قَالَ عَلَى خِلَافِ الْوَجْهَيْنِ، يَعْنِي قَوْلَ ابْنِ سُرَيْجٍ وَقَوْلَ أَبِي إِسْحَاقَ رحمهم الله وَلَيْسَ فِي كَلَامِهِ أَيْضًا فِي النُّسْخَةِ الَّتِي وَقَفْتُ عَلَيْهَا ذِكْرُ الْقُوتِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَمَا لَا يُقْتَاتُ وَرَدَّ اللَّبَنَ وَأَمَّا حِكَايَتُهُ وَحِكَايَةُ الرَّافِعِيِّ عَنْهُ الِاتِّفَاقَ عَلَى جَوَازِ رَدِّ اللَّبَنِ عِنْدَ بَقَائِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ صُورَةُ ذَلِكَ إذَا تَرَاضَيَا عَلَى أَخْذِهِ بَدَلًا عَنْ الْوَاجِبِ، وَيُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ اللَّفْظِ. هَذَا إذَا جَعَلْنَا ذَلِكَ مِنْ بَابِ الِاعْتِيَاضِ كَمَا تَقَدَّمَ، أَمَّا إذَا اقْتَصَرَ عَلَى الرَّدِّ فَهَلْ يَكْفِي؛ لِأَنَّهُمَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ فَيَرُدَّ الرَّدَّ عَلَيْهِمَا أَوْ لَا يَكْفِي؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ غَيْرُهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الرَّدِّ عَلَى صُورَةِ الْفَسْخِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَنَتَعَرَّضُ لَهُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ رحمه الله إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَفِي فَرْعٍ الْآنَ فَتَنَبَّهْ لَهُ.
فرع: التَّمْرُ الَّذِي يَجِبُ رَدُّهُ هَلْ يَتَعَيَّنُ نَوْعٌ مِنْهُ؟ أَوْ ذَلِكَ إلَى خِيَرَةِ الْمُشْتَرِي مَا لَمْ يَكُنْ مُعَيَّنًا؟ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ بُشْرَى فِيمَا نَقَلَهُ مِنْ نُصُوصِ الشَّافِعِيِّ رحمه الله: صَاعًا مِنْ تَمْرِ الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ بِهِ تَمْرٌ وَسَطٌ بِصَاعِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَظَاهِرُ هَذَا الْكَلَامِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُعْطِي تَمْرًا دُونَ تَمْرِ بَلَدِهِ، وَإِنْ كَانَ سَلِيمًا وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِذَلِكَ وَلَا اعْتَدَّ بِهِ لَا هُنَا وَلَا فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ، وَاَلَّذِي اقْتَضَاهُ النَّصُّ مِنْ تَعْيِينِ تَمْرِ الْبَلَدِ يَشْهَدُ لَهُ مَا ذَكَرَهُ فِي الشَّاةِ الْوَاجِبَةِ عَنْ خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْ قِيمَةِ الْبَلَدِ عَلَى الْمَذْهَبِ وَمَا ذُكِرَ فِي الدَّرَاهِمِ الْمَأْخُوذَةِ فِي الْجُبْرَانِ فِي الصُّعُودِ أَوْ النُّزُولِ وَأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ نَقْدُ الْبَلَدِ قَطْعًا، فَإِذَا ثَبَتَ التَّعَيُّنَ هَهُنَا فَالتَّعْيِينُ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ أَطْمَاعَ الْفُقَرَاءِ تَمْتَدُّ إلَى قُوتِ الْبَلَدِ وَنَوْعِهِ.
نَعَمْ: إنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ أَنْوَاعٌ فَقَدْ ذَكَرُوا فِي الشَّاةِ الْمَخْرُوجَةِ عَنْ خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ أَوْجُهًا. نَصَّ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه فِيهَا، وَهُوَ الَّذِي قَطَعَ بِهِ صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ بِتَعَيُّنِ غَالِبِ الْبَلَدِ، وَأَصَحُّهَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ يُخْرِجُ مِنْ أَيِّ نَوْعَيْنِ شَاءَ، وَقِيَاسُ ذَلِكَ أَنْ يَأْتِيَ هَهُنَا ذَلِكَ الْخِلَافُ بِعَيْنِهِ.
فَإِنْ قُلْتَ: قَدْ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ رحمه الله: أَنَّهُ إذَا أَعْوَزَ التَّمْرُ أَخْرَجَ قِيمَتَهُ بِالْمَدِينَةِ عَلَى وَجْهٍ وَهُوَ الَّذِي اقْتَصَرَ الرَّافِعِيُّ عَلَى حِكَايَتِهِ وَهُوَ الَّذِي قَالَهُ الْمُصَنِّفُ عَلَى قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ، فِيمَا إذَا زَادَتْ قِيمَةُ الصَّاعِ عَلَى الشَّاةِ، وَاعْتِبَارُ قِيمَةِ الْحِجَازِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ تَمْرُ الْحِجَازِ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ بَدَلٌ عَنْهُ، فَلَوْ كَانَ الْوَاجِبُ تَمْرَ الْبَلَدِ لَأَخْرَجَ قِيمَتَهُ قلت: مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ هُنَا مِنْ تَعَيُّنِ تَمْرِ الْبَلَدِ وَتَأَيَّدَ بِالنَّظَائِرِ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَصَحَّ هُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي الَّذِي نَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّهُ عِنْدَ إعْوَازِ التَّمْرِ يُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ فِي أَقْرَبِ بِلَادِ التَّمْرِ إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الرَّافِعِيُّ لَمْ يَذْكُرْهُ.