فهرس الكتاب

الصفحة 3848 من 4102

ج / 11 ص -171- وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَصْحَابِ عَلَى قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ وَاقْتَصَرُوا عَلَيْهِ، وَأَنَّ الْمُعْتَبَرَ قِيمَةُ الْحِجَازِ، فَذَلِكَ إنَّمَا قَالُوهُ عَلَى قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَقَدْ يَكُونُ أَبُو إِسْحَاقَ لَا يُوَافِقُ عَلَى مَا اقْتَضَاهُ النَّصُّ مِنْ تَعَيُّنِ الْبَلَدِ وَهُوَ بَعِيدٌ أَوْ يُوَافِقُ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ عِنْدَ الْوُجُودِ تَمْرُ الْبَلَدِ، فَإِنْ أَعْوَزَ رَجَعَ إلَى قِيمَةِ الْحِجَازِ وَهُوَ بَعِيدٌ أَيْضًا وَلَا يَلْزَمُ مِنْ حِكَايَةِ الْأَصْحَابِ ذَلِكَ أَنَّهُمْ يَعْتَبِرُونَ قِيمَةَ الْحِجَازِ عِنْدَ الْإِعْوَازِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مُقْتَضَى قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ اعْتِبَارُهَا، فَإِنَّهُ إذَا اعْتَبَرَهَا فِي غَيْرِ حَالَةِ الْإِعْوَازِ فَفِي حَالَةِ الْإِعْوَازِ أَوْلَى، فَتَخَلَّصَ أَنَّ التَّمْرَ الَّذِي يَجِبُ رَدُّهُ هُوَ تَمْرُ الْبَلَدِ عَلَى ظَاهِرِ النَّصِّ، وَفِيهِ عَلَى قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ مَا ذَكَرْتُهُ.

وَإِذَا أَوْجَبْنَا تَمْرًا فَعَدَلَ إلَى تَمْرٍ أَعْلَى مِنْهُ جَازَ، كَمَا قَالُوهُ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ، وَفِي الشَّاةِ الْمُخْرَجَةِ عَنْ الْإِبِلِ، وَلَوْ عَدَلَ إلَى مَا دُونَهُ لَمْ يُجِزْهُ، كَمَا ذَكَرُوهُ فِي الشَّاةِ. هَذَا عِنْدَ الْوُجُودِ، وَعِنْدَ الْإِعْوَازِ الْوَاجِبُ قِيمَتُهُ بِأَقْرَبِ الْبِلَادِ إلَيْهِ، وَقِيلَ: بِالْمَدِينَةِ، وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ إذَا عَدَلَ عِنْدَ الْوُجُودِ إلَى نَوْعٍ أَعْلَى يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَالْعُدُولِ إلَى جِنْسٍ آخَرَ، كَمَا قِيلَ بِمِثْلِهِ فِي السَّلَمِ: إنَّ اخْتِلَافَ النَّوْعِ كَاخْتِلَافِ الْجِنْسِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَجُوزُ هَهُنَا بِغَيْرِ التَّرَاضِي، وَيَجُوزُ بِالتَّرَاضِي؛ لِأَنَّ هَذَا يَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ عَلَى الْأَصَحِّ، كَمَا تَقَدَّمَ بِخِلَافِ الْمُسْلَمِ فِيهِ.

وَأَمَّا الْعُدُولُ إلَى نَوْعٍ أَدْنَى فَلَا يَجُوزُ إلَّا بِالتَّرَاضِي، إلَّا إذَا فَرَّعْنَا عَلَى قَوْلِ التَّخْيِيرِ، وَكَذَلِكَ فِي الزَّكَاةِ إذَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ مِنْ نَوْعٍ لَمْ يَعْدِلْ إلَى نَوْعٍ دُونَهُ إلَّا إذَا اعْتَبَرْنَا الْقِيمَةَ، فَفِيهِ خِلَافٌ وَكَذَا لَا يُخْرِجُ عَنْ الْكَرَائِمِ إلَّا كَرِيمَةً.

فرع: الصَّاعُ الَّذِي يَجِبُ رَدُّهُ بَدَلَ اللَّبَنِ، هَلْ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْعَيْنِ الْأُخْرَى، الَّذِي شَمِلَهَا الْعَقْدُ، حَتَّى أَنَّهُ يَتَوَقَّفُ الرَّدُّ عَلَى رَدِّهِ مَعَ الشَّاةِ، أَوْ نَقُولُ: إنَّهُ يَرُدُّ الشَّاةَ، وَيَبْقَى بَدَلُ اللَّبَنِ فِي ذِمَّتِهِ؟ لَمْ أَقِفْ فِي ذَلِكَ عَلَى نَقْلٍ وقوله: فِي الْحَدِيثِ:"وَمَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ"يُشْعِرُ بِالْأَوَّلِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ إفْرَادَ إحْدَى الْعَيْنَيْنِ بِالرَّدِّ لَا يَجُوزُ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ، فَجُعِلَ التَّمْرُ قَائِمًا مَقَامَ اللَّبَنِ لِلرَّدِّ عَلَيْهِمَا أَقْرَبُ إلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ فَلَا يَكُونُ اتِّفَاقُهُمَا عَلَى أَخْذِ بَدَلِ التَّمْرِ مِنْ بَابِ الِاعْتِيَاضِ حَتَّى يَحْتَاجَ إلَى لَفْظٍ كَمَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ التَّمْرَ لَا ثُبُوتَ لَهُ فِي الذِّمَّةِ عَلَى هَذَا الْبَحْثِ، وَإِنَّمَا يُقَامُ مَقَامَ اللَّبَنِ لِيَرِدَ الرَّدُّ عَلَيْهِمَا، وَيُشْكِلُ أَخْذُ بَدَلِهِ لَا لِأَجْلِ التَّعْلِيلِ الَّذِي قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ بَلْ لِهَذَا الْمَعْنَى، وَهَذَا الَّذِي وَعَدْتُ بِهِ فَلْتَتَنَبَّهْ لَهُ.

نَعَمْ: اتِّفَاقُهُمَا عَلَى رَدِّ اللَّبَنِ وَاضِحٌ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ، وَلَا يَحْتَاجُ حِينَئِذٍ إلَى اعْتِيَاضٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْأَصْلُ وَإِنَّمَا عُدِلَ إلَى التَّمْرِ خَوْفًا مِنْ اخْتِلَافِهِمَا فَإِذَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ جَازَ وَوَرَدَ الرَّدُّ عَلَيْهِمَا وَيَحْصُلُ الْفَسْخُ فِي جَمْعِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَيَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يَجُوزُ اتِّفَاقَهُمَا عَلَى رَدِّ اللَّبَنِ وَلَا يَجُوزُ اتِّفَاقُهُمَا عَلَى بَدَلٍ آخَرَ غَيْرِهِ لَا يَعْدُو إلَى غَيْرِهِ، وَلَمْ أَرَ أَحَدًا صَرَّحَ بِمَجْمُوعِ هَذَا فَلْتَتَنَبَّهْ لِهَذِهِ الدَّقَائِقَ.

فرع: يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إذَا جَعَلْنَا التَّمْرَ قَائِمًا مَقَامَ اللَّبَنِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْبَحْثِ، وَتَرَاضَيَا عَلَى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت