فهرس الكتاب

الصفحة 3849 من 4102

ج / 11 ص -172- رَدِّ الشَّاةِ وَأَنْ يَبْقَى التَّمْرُ فِي ذِمَّتِهِ، يَجُوزُ كَمَا يَجُوزُ فِي الشُّفْعَةِ، حَيْثُ يُكْتَفَى بِرِضَا الْمُشْتَرِي بِذِمَّةِ الشَّفِيعِ عَنْ تَسْلِيمِ الْعِوَضِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: لَا يَكْفِي ذَلِكَ هُنَا؛ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ تَمَلُّكٌ جَدِيدٌ. وَهَهُنَا رَدٌّ، وَالرَّدُّ يَعْتَمِدُ الْمَرْدُودَ، فَعَلَى الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ يَسْتَمِرُّ مَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ رحمهما الله مِنْ أَخْذِ الْبَدَلِ عَنْ التَّمْرِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ فِي الذِّمَّةِ، فَيَأْخُذُ عَنْهُ مَا يَقَعُ الِاتِّفَاقُ مِنْ مِقْدَارِ غَيْرِهِ، وَيَأْتِي فِيهِ خِلَافُ ابْنِ الْمُنْذِرِ وَتَعْلِيلُهُ وَعَلَى الِاحْتِمَالِ الثَّانِي يَتَعَيَّنُ مَا تَقَدَّمَ وَأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ رَدُّ التَّمْرِ أَوْ اللَّبَنِ بِاتِّفَاقِهِمَا؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَلَا يَجُوزُ غَيْرُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إقَامَةٌ لِغَيْرِ الْمَبِيعِ مَقَامَ الْمَبِيعِ فِي حُكْمِ الرَّدِّ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ.

فرع: وَلَوْ كَانَتْ الْمُصَرَّاةُ اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، هَلْ يَرِدُ أَدَاءُ الْوَاجِبِ بِذَلِكَ؟ لَمْ أَقِفْ لِأَصْحَابِنَا عَلَى نَقْلٍ فِي ذَلِكَ، لَكِنْ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْحَنْبَلِيِّ رحمه الله نَقَلَ فِي شَرْحِ الْمُقْنِعِ عَلَى مَذْهَبِهِمْ، وَعَنْ الشَّافِعِيِّ وَبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ يَرُدُّ مَعَ كُلِّ مُصَرَّاةِ صَاعًا؛ لِقَوْلِهِ:"مَنْ اشْتَرَى غَنَمًا".

قلت: وَمِمَّنْ ذَهَبَ إلَى ذَاكَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ وَزَعَمَ ابْنُ الرِّفْعَةِ أَنَّ ذَلِكَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ قَالَ: وَمَا أَظُنُّ أَصْحَابَنَا يَسْمَحُونَ بِذَلِكَ، وَهَذَا مِنْهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَقِفْ فِي ذَاكَ عَلَى مَا نُقِلَ، وَكَذَلِكَ أَنَا لَمْ أَقِفْ عَلَى نَقْلٍ إلَّا مَا قَدَّمْتُهُ مِنْ نَقْلِ بَعْضِ الْحَنَابِلَةِ عَنْ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه وَهُوَ مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجِبَ فِي لَبَنِ شِيَاهٍ عِدَّةٍ أَوْ بَقَرَاتٍ عِدَّةٍ إلَّا الصَّاعُ عِبَادَةً وَتَسْلِيمًا.

فرع: اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا رحمهم الله وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ رَدُّ مِثْلِ اللَّبَنِ التَّالِفِ؛ لِأَنَّ الصَّاعَ بَدَلُ اللَّبَنِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم"فَفِي حَلْبَتِهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ"، وَيُفْهَمُ الْمَعْنَى.

وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: يَجِبُ رَدُّ مِثْلِهِ مَعَ التَّمْرِ إنْ كَانَ تَالِفًا، وَعَيْنِهِ إنْ كَانَ بَاقِيًا، وَذَاكَ فِي اللَّبَنِ الْمَوْجُودِ عِنْدَ الْعَقْدِ، وَأَجَابَ عَنْ الْحَدِيثِ بِأَنَّ الْحَلْبَةَ مَصْدَرٌ وَإِطْلَاقُهُ عَلَى الْمَحْلُوبِ مَجَازٌ، وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ رَدُّ اللَّبَنِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ حَدِيثَ الْمُصَرَّاةِ بِلَفْظٍ فِيهِ:"وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ وَكَانَ بِمَا احْتَلَبَ مِنْ لَبَنِهَا"وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ بَدَلُ الْمَحْلُوبِ وَلَكِنْ فِي سَنَدِهِ سُلَيْمَانُ بْنُ أَرْقَمَ وَهُوَ ضَعِيفٌ.

فَرْعٌ فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ

قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَأَبُو يُوسُفَ: يَرُدُّ مَعَهَا قِيمَةَ اللَّبَنِ هَكَذَا نَقَلَ عَنْهُمَا ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ. وَنَقَلَ ابْنُ حَزْمٍ عَنْهُمَا أَنَّهُ يَرُدُّ قِيمَةَ صَاعٍ. وَقَالَ مَالِكٌ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: يُؤَدِّي أَهْلُ بَلَدٍ صَاعًا مِنْ أَغْلَبِ عِيشَتِهِمْ. وَهَكَذَا قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ رضي الله عنهما: إذَا كَانَ اللَّبَنُ تَالِفًا لَيْسَ لَهُ رَدُّهَا، لَكِنْ يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ فَقَطْ، وَإِنْ كَانَ بَاقِيًا رَدَّهُ، وَلَا يَرُدُّ مَعَهَا صَاعَ تَمْرٍ وَلَا شَيْئًا هَكَذَا نَقَلَ ابْنُ حَزْمٍ عَنْهُ. وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ أَنَّهُ إذَا حَلَبَهَا امْتَنَعَ عَلَيْهِ الرَّدُّ. وَنَقَلَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ إذَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت