فهرس الكتاب
ج / 11 ص -175- قلت: وَهَذَا الِاحْتِمَالُ الَّذِي قَالَهُ الْجُورِيُّ هُوَ الْقِيَاسُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الرِّضَا بِعَيْبٍ الرِّضَا بِجَمِيعِ الْعُيُوبِ، وَاَلَّذِي قَالَهُ أَوَّلًا مِنْ أَنَّ سَائِرَ السِّلَعِ غَيْرِ الْمُصَرَّاةِ إذَا ظَهَرَ مِنْهَا عَلَى عَيْبٍ فَلَمْ يَرُدَّ حَتَّى ظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ آخَرَ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ الرَّدُّ بَعِيدٌ لَا وَجْهَ لَهُ، وَمَا أَظُنُّ الْأَصْحَابَ يُسَاعِدُونَهُ عَلَى ذَلِكَ كَمَا حَكَاهُ الْجُورِيُّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ، بَلْ صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُمَا بِخِلَافِهِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: إنَّ مَنْ رَضِيَ بِعَيْبٍ ثُمَّ وَجَدَ غَيْرَهُ لَمْ يَمْنَعْهُ الرِّضَا بِمَا عَلِمَ مِنْ الرَّدِّ بِمَا لَمْ يَعْلَمْ، وَجَعَلُوا ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى الرَّدِّ هَهُنَا. لَكِنِّي رَأَيْتُ فِي تَعْلِيقِ الطَّبَرِيِّ عَنْ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَا يُوَافِقُهُ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي ذَلِكَ: مَنْزِلَتُهُ مَنْزِلَةُ الْمُشْتَرِي سِلْعَةً فَوَجَدَ بِهَا عَيْبَيْنِ فَرَضِيَ بِأَحَدِهِمَا، كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ بِالْعَيْبِ الثَّانِي، وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ لَا يَرُدُّ وَلَكِنْ يَرْجِعُ بِأَرْشِ الْعَيْبِ الثَّانِي، قَالَ: وَهُوَ ضَعِيفٌ، عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ فِي هَذَا الْكَلَامِ: وَقَدْ قِيلَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمُصَرَّاةِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَقِيسِ عَلَيْهَا، وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمَذْهَبُ الْمَشْهُورُ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَانِعٍ وَنَقَلَهُ ابْنُ بُشْرَى فِي مَنْصُوصَاتِ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه.
وَقَدْ حَكَى ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْ الْجُورِيِّ هَذَا عِنْدَ الْكَلَامِ فِي بَيْعِ الْبَرَاءَةِ، وَقَالَ: لَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ فِي رَدِّهِ إبْطَالَ عَفْوِهِ عَنْ الْأَوَّلِ فَلَمْ يَجُزْ وَلِهَذَا نَظَرٌ يَأْتِي فِي الْجِنَايَاتِ وَمَا حَكَاهُ الْجُورِيُّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ فِي الْمُصَرَّاةِ قَدْ وُجِّهَ هَذَا الْقَوْلُ بِالْمَنْعِ مِنْهُمَا بِالْقِيَاسِ عَلَى غَيْرِهِمَا مِنْ السِّلَعِ وَنَحْنُ نَمْنَعُهُ حُكْمَ الْأَصْلِ إمَّا جَزْمًا وَإِمَّا عَلَى الْمَذْهَبِ الْمَشْهُورِ، وَلَئِنْ سَلَّمَ فَالْفَرْقُ مَا ذَكَرَهُ. وَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّ مَأْخَذَ الْقَوْلِ بِالْمَنْعِ الَّذِي حَكَاهُ الْجُورِيُّ غَيْرُ مَأْخَذِ الْوَجْهِ الَّذِي حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ رحمه الله مِنْ التَّخْرِيجِ عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ قَوِيٌّ مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ، وَالْحَدِيثُ يَصُدُّ عَنْهُ، غَيْرَ أَنَّ الْقَوْلَ الَّذِي حَكَاهُ الْجُورِيُّ عَلَى غَرَابَتِهِ وَضَعْفِهِ يُعْتَضَدُ بِهِ الْوَجْهُ الَّذِي حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْمَأْخَذِ لِتَوَارُدِهِمَا عَلَى حُكْمٍ وَاحِدٍ وَهُوَ امْتِنَاعُ الرَّدِّ وَكِلَاهُمَا شَاهِدٌ لِلرَّأْيِ الَّذِي حَكَاهُ الْغَزَالِيُّ وَالرَّافِعِيُّ مِنْ أَنَّ اللَّبَنَ لَا يُقَابِلُهُ قِسْطٌ مِنْ الثَّمَنِ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ ضَعِيفٌ لِمُخَالَفَتِهِ نَصَّ الشَّافِعِيِّ رحمه الله.
وَلَا وَجْهَ لِمَنْعِ التَّخْرِيجِ عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ إلَّا اتِّبَاعُ الْحَدِيثِ، وَإِلَّا فَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إنْ كَانَ اللَّبَنُ مُقَابَلًا بِقِسْطٍ مِنْ الثَّمَنِ وَجَبَ أَنْ لَا يَرُدَّ بَدَلَهُ، وَقَدْ دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى رَدِّ الْبَدَلِ، وَلِذَلِكَ جَزَمَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله وَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ بِأَنَّهُ مُقَابَلٌ بِقِسْطٍ، وَقَطَعُوا بِذَلِكَ فِي بَابِ الرِّبَا وَاسْتَدَلُّوا لَهُ هُنَاكَ بِحَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ كَمَا تَقَدَّمَ وَالْوَجْهُ الَّذِي حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ وَالْجَوْرِيُّ فِي غَايَةِ الْغَرَابَةِ، وَمَا قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ مِنْ كَوْنِ اللَّبَنِ تَابِعًا تَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْهُ، وَلَيْسَ أَوْصَافُ السَّلَامَةِ يَتَقَسَّطُ الثَّمَنُ عَلَيْهَا حَتَّى إذَا فَاتَ بَعْضُهَا يَتَخَرَّجُ عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ بِخِلَافِ اللَّبَنِ فَإِنَّهُ يُوَافِقُ عَلَى أَنَّهُ يُقَابِلُهُ قِسْطٌ مِنْ الثَّمَنِ، وَكَوْنُ الشَّيْءِ مُقَابَلًا بِقِسْطٍ مِنْ الثَّمَنِ أَخَصُّ مِنْ كَوْنِهِ مَقْصُودًا هَذَا مَا ذَكَرَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ.
وَفَصَّلَ الْمَاوَرْدِيُّ رحمه الله فَقَالَ: إنْ كَانَ بَعْدَ الْعَقْدِ عَلِمَ بِالتَّصْرِيَةِ وَرَضِيَ ثُمَّ وَقَفَ عَلَى عَيْبٍ آخَرَ فَلَهُ الرَّدُّ، لَا يَخْتَلِفُ أَصْحَابُنَا فِيهِ، وَيَرُدُّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ وَإِنْ كَانَ عِلْمُهُ بِالتَّصْرِيَةِ مَعَ الْعَقْدِ ثُمَّ وَقَفَ عَلَى عَيْبٍ آخَرَ فَوَجْهَانِ، خَرَّجَهُمَا ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ فَتَحَصَّلْنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى ثَلَاثِ طُرُقٍ، وَفِي الرَّوْنَقِ جَزَمَ بِرَدِّهَا.
وَحَكَى فِي رَدِّ الصَّاعِ التَّمْرِ مَعَهَا قَوْلَيْنِ، وَهَذِهِ طَرِيقَةٌ رَابِعَةٌ غَرِيبَةٌ، فَهَذِهِ الْأَحْوَالُ الثَّلَاثُ