فهرس الكتاب
ج / 11 ص -186- يُجْعَلُ النُّقْصَانُ بِالْحَلْبِ مَانِعًا - وَإِنْ كَانَ مَانِعًا فِي سَائِرِ الْمَوَاضِعِ - هَذَا تَقْرِيرُ هَذَا الدَّلِيلِ، وَلَا بُدَّ مِنْ الْجَوَابِ عَنْهُ إذْ الْأَصَحُّ فِي الْمَذْهَبِ خِلَافُهُ.
وَطَرِيقُ الْجَوَابِ أَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ النَّقْصَ مَانِعٌ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ مُخَالَفَةِ الْأَصْلِ فِي مَوْضِعٍ مُخَالَفَتُهُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي اسْتَثْنَى لِأَجْلِهِ نُقْصَانَ إفْرَادِ الشَّاةِ بِالرَّدِّ عَنْ سَائِرِ مَوَاضِعِ الْإِفْرَادِ مَوْجُودٌ فِي النُّقْصَانِ بِالْحَلْبِ هَهُنَا، حَتَّى يُسْتَثْنَى عَنْ سَائِرِ مَوَاضِعِ النَّقْصِ، وَصِحَّةُ الْقِيَاسِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى ثُبُوتِ ذَلِكَ، وَهُوَ غَيْرُ بَيِّنٍ.
الثامن: أَنَّ الْأَصْحَابَ أَطْبَقُوا عَلَى حِكَايَةِ الْوَجْهَيْنِ كَمَا حَكَاهُمَا الْمُصَنِّفُ رحمه الله وَكَلَامُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ يَقْتَضِي حِكَايَةَ الْوَجْهَيْنِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ وَلِذَلِكَ الرُّويَانِيُّ قَالَ: إنَّ أَبَا إِسْحَاقَ أَشَارَ فِي الشَّرْحِ إلَى وَجْهَيْنِ، وَالْمُصَنِّفُ وَابْنُ الصَّبَّاغِ جَعَلَ الْقَوْلَ بِعَدَمِ الْإِجْبَارِ قَوْلَ أَبِي إِسْحَاقَ، وَكَلَامُ أَبِي الطَّيِّبِ مُحْتَمِلٌ لِمَا قَالَهُ أَبُو حَامِدٍ، وَلِمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ، ذَكَرَهُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي الشَّرْحِ وَقَالَ: لِأَنَّهُ صَارَ مَعِيبًا، وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ يَجُوزُ، وَبَقِيَّةُ الْأَصْحَابِ يَذْكُرُونَ الْوَجْهَيْنِ غَيْرَ مَنْسُوبَيْنِ وَالْجَمْعُ بَيْنَ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنَّ أَبَا إِسْحَاقَ ذَكَرَ فِي شَرْحِهِ الْوَجْهَ الَّذِي اخْتَارَهُ وَالْوَجْهَ الْآخَرَ.
التَّاسِعُ: أَنَّ هَذَا كُلَّهُ فِي رَدِّهِ عَلَى جِهَةِ الْقَهْرِ وَأَمَّا لَوْ تَرَاضَيَا عَلَى ذَلِكَ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ: جَازَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عَنْ الْبَغَوِيِّ وَالرَّافِعِيِّ رحمهما الله أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ وَنَبَّهْتُ هُنَاكَ أَنَّهُ هَلْ هُوَ مِنْ بَابِ الِاعْتِيَاضِ؟ أَوْ مِنْ بَابِ الرَّدِّ بِالْفَسْخِ؟ وَأَنَّ ابْنَ الْمُنْذِرِ خَالَفَ فِيهِ، وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ الْمُخَالَفَةُ هَهُنَا، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الْمَالِكِيَّةِ، وَأَنَّ ابْنَ الْمُنْذِرِ جَعَلَهُ مِنْ بَابِ الِاعْتِيَاضِ وَذَكَرْتُ بَحْثًا هُنَاكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ وَأَنَّهُ يَجُوزُ، فَلْيُنْظَرْ ذَلِكَ الْبَحْثُ فِي فَرْعٍ عِنْدَ شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ"وَإِنْ أَجَازَ رَدَّ الْمُصَرَّاةِ بَدَلَ اللَّبَنِ".
فرع: قَسَّمَ الْمَرْعَشِيُّ الْعَيْبَ الْحَادِثَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي إلَى قِسْمَيْنِ أحدهما: الْمُصَرَّاةُ يَرُدُّهَا نَاقِصَةً عَمَّا أُخِذَتْ عَلَيْهِ مِنْ كَوْنِ اللَّبَنِ فِي ضَرْعِهَا، وَمَا سِوَى الْمُصَرَّاةِ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ أحدها: يَرُدُّ قَوْلًا وَاحِدًا كَالْعِنَبِ وَالْخِيَارِ يَغْمِزُهُ بِعُودٍ أَوْ حَدِيدَةٍ فَيَتَبَيَّنُ أَنَّهُ مُرٌّ والثاني: فِيهِ قَوْلَانِ كَالثَّوْبِ يُقْطَعُ ثُمَّ يُعْلَمُ عَيْبُهُ والثالث: ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ إذَا كَسَرْنَا مَا لَا نُوقَفُ عَلَى عَيْبِهِ إلَّا بِكَسْرِهِ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَفِيهِ تَوَقُّفٌ نَذْكُرهُ هُنَاكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فرع: إذَا اشْتَرَى شَاةً وَجَزَّ صُوفَهَا، ثُمَّ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا - إنْ كَانَ الْجَزُّ لِاسْتِعْلَامِ الْعَيْبِ - لَمْ يَمْتَنِعْ الرَّدُّ، وَجَرَى مَجْرَى الْحَلْبِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَإِنْ اشْتَرَى جَارِيَةً مُصَرَّاةً فَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ:"
أحدها: أَنَّهُ يَرُدُّهَا وَيَرُدُّ مَعَهَا صَاعًا؛ لِأَنَّهُ يُقْصَدُ لَبَنُهَا فَثَبَتَ بِالتَّدْلِيسِ لَهُ فِيهِ الْخِيَارُ، وَالصَّاعُ كَالشَّاةِ.