فهرس الكتاب

الصفحة 3870 من 4102

ج / 11 ص -193- فَلَمْ يَصِحَّ والثاني: أَنَّهُ يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ بِالْعَادَةِ فَصَحَّ شَرْطُهُ، فَعَلَى هَذَا إذَا لَمْ تَحْلِبْ الْمَشْرُوطُ فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْإِمْسَاكِ وَالرَّدِّ"."

الشرح: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ جَزَمَ الرَّافِعِيُّ رحمه الله فِي بَابِ الْبُيُوعِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا فِيهَا بِعَدَمِ صِحَّةِ الْبَيْعِ، وَصَرَّحَ فِي الرَّوْضَةِ بِأَنَّهُ يَبْطُلُ الْبَيْعُ قَطْعًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَنْضَبِطُ فَصَارَ كَمَا لَوْ شَرَطَ فِي الْعَبْدِ أَنْ يَكْتُبَ كُلَّ يَوْمٍ عَشْرَ وَرَقَاتٍ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الرَّافِعِيُّ لِلْمَسْأَلَةِ فِي بَابِ التَّصْرِيَةِ، وَابْنُ الصَّبَّاغِ ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ هُنَا وَجَزَمَ فِيهَا بِالْبُطْلَانِ وَكَذَلِكَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ قَبْلَ هَذَا الْبَابِ صَرَّحَ وَجَزَمَ بِأَنَّ الْعَقْدَ فَاسِدٌ، وَقَالَ مَعَ ذَلِكَ: إنَّهُ إذَا شَرَطَ أَنَّهَا لَبُونٌ فَإِنْ كَانَتْ تُدِرُّ لَبَنًا - وَإِنْ قَلَّ - فَلَا خِيَارَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا لَبَنٌ أَصْلًا فَلَهُ الْخِيَارُ، وَكَذَلِكَ قَالَ غَيْرُهُ، وَنَقَلُوا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّهُ يَقُولُ بِالْبُطْلَانِ فِي هَذِهِ أَيْضًا وَلَوْ شَرَطَ أَنَّهَا غَزِيرَةُ اللَّبَنِ فَتَبَيَّنَ غَزَارَتَهُ فَلَهُ الرَّدُّ، قَالَهُ الرُّويَانِيُّ.

وَكِلْتَا الْمَسْأَلَتَيْنِ لَا إشْكَالَ فِيهِمَا بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ، وَصَرَّحَ صَاحِبُ الْعُدَّةِ حِكَايَةَ الْوَجْهَيْنِ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ كَمَا حَكَاهُمَا الْمُصَنِّفُ رحمه الله حَرْفًا بِحَرْفٍ، وَنَقَلَ بَعْضُ الْمُصَنِّفِينَ مَسْأَلَةَ الْكِتَابِ وَحِكَايَةَ الْوَجْهَيْنِ فِيهَا عَنْ التَّتِمَّةِ، وَلَمْ أَرَهُمَا فِيهَا بَلْ الَّذِي رَأَيْتُ فِيهَا الْبُطْلَانُ وَالْمُصَنِّفُ الْمَذْكُورُ هُوَ يَعْقُوبُ بْنُ أَبِي عَصْرُونٍ وَذَلِكَ وَهُوَ مِنْهُ، وَلَعَلَّهُ جَاءَ يَكْتُبُ الْمُهَذَّبَ كَتَبَ التَّتِمَّةِ.

وَقَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ: لَوْ اشْتَرَى شَاةً عَلَى أَنَّهَا تَحْلِبُ كُلَّ يَوْمٍ كَذَا وَكَذَا، قَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يَصِحُّ قَوْلًا وَاحِدًا. قَالَ: وَقِيلَ: فِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ يَصِحُّ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ فِي الِانْتِصَارِ: إنَّهُ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَابِعًا لِلْمُصَنِّفِ فِي حِكَايَةِ الْخِلَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ وَأَطْلَقَ الْقَوْلَيْنِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ نَقْلٌ خَارِجٌ، وَمِمَّنْ حَكَى الْخِلَافَ أَيْضًا فِي هَذَا الْبَابِ الْعُمْرَانِيُّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَابِعًا لِلْمُصَنِّفِ، وَكَذَلِكَ حَكَاهُ فِيمَا إذَا شَرَطَ أَنَّ الشَّاةَ تَضَعُ لِرَأْسِ الشَّهْرِ مَثَلًا، وَالْمَشْهُورُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ الْقَطْعُ بِالْفَسَادِ وَلَمْ أَرَ الْخِلَافَ إلَّا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَالرُّويَانِيِّ وَصَاحِبِ الْعُدَّةِ أَيْضًا.

عَلَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ رحمه الله وَحْدَهُ كَافٍ فِي النَّقْلِ، فَهُوَ الثِّقَةُ الْأَمِينُ، وَلَا يُسْتَبْعَدُ ذَلِكَ مِنْ وِجْهَةِ الْمَعْنَى، فَإِنَّ ذَلِكَ قَدْ يُعْلَمُ بِالْعَادَةِ فَإِنَّ الشَّاةَ الَّتِي خَبِرَهَا الْبَائِعُ وَجَرَّبَهَا دَائِمًا وَهِيَ تُدِرُّ كُلَّ يَوْمٍ مِقْدَارًا مَعْلُومًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ، فَهَذَا الْعَقْدُ الَّذِي جَرَّبَ وُجُودَهُ مِنْهَا فِي جَمِيعِ الْأَيَّامِ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ دَوَامُهُ، أَمَّا وَضْعُ الْحَمْلِ لِرَأْسِ الشَّهْرِ الْمَنْقُولِ عَنْ الْعُمْرَانِيِّ فَذَلِكَ بَعِيدٌ إلَّا عَلَى إرَادَةِ التَّقْرِيبِ الْكَثِيرِ، نَعَمْ هَهُنَا كَلَامَانِ:

أحدهما: أَنَّ الْفَرْقَ ظَاهِرٌ بَيْنَ اشْتِرَاطِ قَدْرٍ مَعْلُومٍ مِنْ اللَّبَنِ، وَاشْتِرَاطُ الْحَمْلِ، فَإِنَّ اشْتِرَاطَ كَوْنِهَا حَامِلًا نَظِيرُهُ اشْتِرَاطُ مِقْدَارٍ مِنْ اللَّبَنِ، يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَاشْتِرَاطِ مِقْدَارٍ أَوْ وَصْفٍ فِي الْحَمْلِ، وَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْعِلْمُ بِهِ.

وَاعْلَمْ أَنَّ هَهُنَا ثَلَاثُ مَرَاتِبَ: إحداها: يُشْتَرَطُ مِقْدَارٌ أَوْ وَصْفٌ فِي الْحَمْلِ وَهَذَا لَا يَصِحُّ قَطْعًا؛ لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى عِلْمِهِ وَلَا ظَنِّهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت