فهرس الكتاب

الصفحة 3876 من 4102

ج / 11 ص -199- بِمَنْزِلَةِ الْعَيْبِ، إذَا كَانَ الْغَرَضُ قَدْ تَعَلَّقَ بِسُبُوطَتِهِ بِاشْتِرَاطٍ أَوْ بِرُؤْيَةٍ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَيَدُلُّكَ عَلَى هَذَا أَنَّ الصَّحِيحَ - كَمَا تَقَدَّمَ - أَنَّ التَّصْرِيَةَ مُلْحَقَةٌ بِالْعَيْبِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه وَالْعِرَاقِيِّينَ وَلِذَلِكَ كَانَ الصَّحِيحُ ثُبُوتَ الْخِيَارِ فِيمَا إذَا تَحَفَّلَتْ بِنَفْسِهَا.

وَالطَّرِيقَةُ الصَّحِيحَةُ هَهُنَا جَرَيَانُ الْوَجْهَيْنِ، فَلَوْ كَانَ الْمَأْخَذُ فِي ذَلِكَ إلْحَاقُهُ بِالْعَيْبِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لَقَطَعُوا بِعَدَمِ الْخِيَارِ هَهُنَا. وَأَمَّا كَوْنُ الصَّحِيحِ مِنْ الْوَجْهَيْنِ هَهُنَا أَنَّهُ لَا خِيَارَ؛ فَلِأَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ الْوَجْهَيْنِ فِيمَا إذَا أَخْلَفَ الشَّرْطَ لِصِفَةٍ أَكْمَلَ كَذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَبِمَا ذَكَرْنَاهُ يَظْهَرُ لَكَ أَنَّ هَذَا الْقِسْمَ مُتَّفَقٌ عَلَى إلْحَاقِهِ بِالتَّصْرِيَةِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الرَّدِّ بِحُكْمِ ذَلِكَ فَعَلَى وَجْهٍ يُرَدُّ كَمَا فِي التَّصْرِيَةِ، وَعَلَى الصَّحِيحِ لَا يُرَدُّ لِخُرُوجِهِ أَكْمَلَ وَهُوَ لَوْ شَرَطَ وَصْفًا فَخَرَجَ أَكْمَلَ لَمْ يُرَدَّ عَلَى الصَّحِيحِ. وَبِهَذَا التَّحْقِيقِ يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْقِسْمُ مِنْ الْمَرْتَبَةِ الْأُولَى وَلَا يَكُونُ مِنْ الْمَرْتَبَةِ الْمُتَوَسِّطَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهَا فِي كَلَامِ الْإِمَامِ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُهُ فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ لِكَوْنِهِ مِنْ صُوَرِ الْخِلَافِ فِي الْجُمْلَةِ نَعَمْ كَلَامُ الصَّيْدَلَانِيِّ وَمَا أَشَارَ إلَيْهِ مِنْ ضَعْفِ الظَّنِّ وَتَصَوُّرِ الْفِعْلِ يَقْتَضِي التَّرَدُّدَ فِي إلْحَاقِهِ بِالتَّصْرِيَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ. ثُمَّ إنَّ الْمُصَنِّفَ رحمه الله رَدَّ الْوَجْهَ الثَّانِيَ بِأَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِهِ أَيْ لَا اعْتِبَارَ بِغَرَضِ الْمُشْتَرِي، وَإِنَّمَا الِاعْتِبَارُ بِمَا يَزِيدُ فِي الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ الْمُعْتَبَرُ لِعُمُومِ النَّاسِ، وَهَذَا سَيَأْتِي مِثْلُهُ أَيْضًا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِيمَا إذَا شَرَطَ أَنَّهَا ثَيِّبٌ فَخَرَجَتْ بِكْرًا، وَقَدْ حَكَى الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ أَنَّهُ لَوْ صَرَّحَ بِاشْتِرَاطِ السُّبُوطَةِ فَخَرَجَتْ جَعْدَةً، قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِخُرَاسَانَ: يَثْبُتُ الْخِيَارُ وَجْهًا وَاحِدًا لِأَجْلِ التَّصْرِيحِ، وَقِيلَ: فِيهِ وَجْهَانِ. فَحَصَلَ فِي كُلٍّ مِنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ طَرِيقَانِ الصَّحِيحُ فِيهِمَا: إجْرَاءُ الْوَجْهَيْنِ وَقِيلَ فِي الْمَسْأَلَةِ الشَّرْطُ يَثْبُتُ قَطْعًا، وَقِيلَ فِي مَسْأَلَةِ التَّدْلِيسِ لَا يَثْبُتُ قَطْعًا.

الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ الَّتِي هِيَ مَحَلُّ الْخِلَافِ مَا يَضْعُفُ الظَّنُّ فِيهِ. وَالْخِلَافُ فِي هَذَا الْقِسْمِ فِي إلْحَاقِهِ بِالتَّصْرِيَةِ لِأَجْلِ التَّغْرِيرِ وَالظَّنِّ، أَوَّلًا لِضَعْفِ الظَّنِّ فِي هَذَا الْقِسْمِ وَقُصُورِهِ عَلَى الشَّرْطِ وَالظَّنِّ الْمُسْنَدِ إلَى أَمْرٍ غَالِبٍ، فَمِنْ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ هَذَا يَقْرُبُ اكْتِشَافُهُ وَجَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ بِخِلَافِ تَسْوِيدِ الشَّعْرِ وَنَحْوِهِ، وَكَذَلِكَ الْخِلَافُ فِي هَذَا الْقِسْمِ، فَمِنْ ذَلِكَ لَوْ لَطَخَ ثَوْبَ الْعَبْدِ بِالْمِدَادِ أَوْ أَلْبَسَهُ ثَوْبَ الْكَتَبَةِ وَالْخَبَّازِينَ، أَوْ سَوَّدَ أَنَامِلَهُ وَخُيِّلَ كَوْنُهُ كَاتِبًا أَوْ خَبَّازًا فَبَانَ خِلَافَهُ فَوَجْهَانِ: أحدهما: يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلتَّلْبِيسِ وَأَصَحُّهُمَا: عِنْدَ الرَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ لَا خِيَارَ وَبِهِ جَزَمَ الْجُرْجَانِيُّ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَلْبِسُ ثَوْبَ غَيْرِهِ عَارِيَّةً فَالذَّنْبُ لِلْمُشْتَرِي حَيْثُ اغْتَرَّ بِمَا لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ تَغْرِيرٍ، وَعَلَى هَذَا لَوْ أَلْبَسَهُ ثَوْبَ الْأَتْرَاكِ فَظَنَّ الْمُشْتَرِي أَنَّ الْمَمْلُوكَ تُرْكِيٌّ وَكَانَ رُومِيًّا، فَالْحُكْمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، قَالَهُ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَكْثَرَ عَلْفَ الْبَهِيمَةِ حَتَّى انْتَفَخَ بَطْنُهَا، فَتَخَيَّلَ الْمُشْتَرِي كَوْنَهَا حَامِلًا قَالَهُ الْإِمَامُ وَالْمُتَوَلِّي قَوْلًا عَنْ الْأَصْحَابِ وَالرَّافِعِيِّ.

كَذَلِكَ لَوْ أَرْسَلَ الزُّنْبُورَ فِي ضَرْعِهَا حَتَّى انْتَفَخَ، وَظَنَّهَا الْمُشْتَرِي لَبُونًا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي وَالرَّافِعِيُّ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ لَا يَكَادُ يَلْتَبِسُ عَلَى الْخَبِيرِ وَمَعْرِفَةُ اللَّبَنِ مُتَيَسِّرَةٌ بِعَصْرِ الثَّدْيِ، بِخِلَافِ صُورَةِ التَّصْرِيَةِ، وَكَثْرَةِ اللَّبَنِ، فَإِنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَتِهَا، وَقِيلَ إثْبَاتُ الْخِيَارِ فِي مَسْأَلَةِ تَحَمُّلِ الْحَمْلِ مَنْسُوبٌ إلَى أَبِي حَامِدٍ، وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ فِي ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُفَرَّعٌ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت