فهرس الكتاب
ج / 11 ص -200- عَلَى أَنَّ الْحَمْلَ فِي الدَّوَابِّ لَيْسَ بِعَيْبٍ كَمَا هُوَ أَظْهَرُ الْوَجْهَيْنِ فِي كِتَابِ الصَّدَاقِ وَالْمَوْجُودُ فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ.
أَمَّا إذَا قُلْنَا: إنَّهُ عَيْبٌ، وَهُوَ مَا أَوْرَدَهُ فِي التَّهْذِيبِ، فَيَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ فِيهِ كَالْكَلَامِ فِيمَا إذَا سَبَطَ شَعْرَ الْجَارِيَةِ ثُمَّ بَانَ أَنَّهَا جَعْدَةٌ لِأَنَّ الْأَغْرَاضَ تَخْتَلِفُ بِهِ وَإِنْ كَانَ يَعُدُّهُ وَصْفَ كَمَالٍ، وَقَدْ أَسْلَفْتُ مَا فِيهِ.
قلت: وَكَانَ مُرَادُهُ بِذَلِكَ أَنْ يَأْتِيَ فِيهِ عَلَى طَرِيقَةٍ قَاطِعَةٍ بِعَدَمِ الْخِيَارِ. كَمَا قَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ هُنَاكَ، وَانْتَصَرَ لَهُ. وَإِنْ كُنْتُ قَدْ بَيَّنْتُ هُنَاكَ مَا يَرُدُّهُ مِنْ كَلَامِ الصَّيْدَلَانِيِّ أَمَّا هَهُنَا فَلَا يَأْتِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ الِاعْتِرَاضِ بِكَلَامِ الصَّيْدَلَانِيِّ، وَلَكِنْ قَدْ يُقَالُ: الْحَمْلُ وَإِنْ كَانَ عَيْبًا فَقَدْ يَقْصِدُهُ بَعْضُ الْعُقَلَاءِ، وَيَتَعَلَّقُ الْغَرَضُ بِهِ، وَلِهَذَا يَصِحُّ اشْتِرَاطُهُ فِي الْجَارِيَةِ عَلَى الْأَصَحِّ وَإِنْ كَانَ عَيْبًا فِيهَا، وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ بِعَدَمِهِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ يُونُسَ.
وَالطَّرِيقَةُ الصَّحِيحَةُ: إجْرَاءُ الْقَوْلَيْنِ فِي اشْتِرَاطِ حَمْلِ الْجَارِيَةِ. وَالطَّرِيقَةُ الْقَاطِعَةُ بِالصِّحَّةِ فِيهَا لِأَجْلِ أَنَّ الْحَمْلَ فِي الْآدَمِيَّاتِ عَيْبٌ، وَأَنَّ شَرْطَهُ إعْلَامٌ بِالْعَيْبِ ضَعِيفٌ. وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْحَمْلَ فِي الْجَارِيَةِ وَالْبَهِيمَةِ زِيَادَةٌ وَنَقْصٌ كَمَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الصَّدَاقِ، فَلَيْسَ نَقْصًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، حَتَّى يَكُونَ عَدَمُهُ كَعَدَمِ الْعَيْبِ، بَلْ عَدَمُهُ يَفُوتُ بِهِ مَا فِيهِ مِنْ الزِّيَادَةِ؛ فَلِذَلِكَ يَثْبُتُ بِهِ الْخِيَارُ.
وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ: إنَّا إذَا قُلْنَا: إنَّهُ عَيْبٌ فَأَخْلَفَ فَلَا خِيَارَ لَهُ كَمَا إذَا شَرَطَ أَنَّهُ سَارِقٌ فَخَرَجَ غَيْرَ سَارِقٍ. وَفِي كَلَامِ الرَّافِعِيِّ رضي الله عنه مَا يَقْتَضِي أَنَّ هَذِهِ طَرِيقَةً لَيْسَتْ الْمَذْهَبَ، وَلَكِنْ مَعَ ذَلِكَ إنَّمَا يَأْتِي إذَا قُلْنَا الْحَمْلُ عَيْبٌ وَنَقْصٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَهُوَ بَعِيدٌ. فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ مَقْصُودًا لِلْعُقَلَاءِ وَيَرْغَبُ فِيهِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ لِأَغْرَاضٍ صَحِيحَةٍ بِخِلَافِ الْعَيْبِ الْمَحْضِ.
الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ: الَّتِي لَا يَثْبُتُ فِيهَا الْخِيَارُ قَطْعًا، وَهُوَ إذَا جَرَى الْخُلْفُ بِشَيْءٍ لَا ظُهُورَ لَهُ، كَمَا إذَا كَانَ عَلَى ثَوْبِ الْعَبْدِ نُقْطَةٌ مِنْ مِدَادٍ فَهَذَا لَا يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ شَرْطِ كَوْنِهِ كَاتِبًا هَكَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ، وَنَبَّهَ عَلَى أَنَّ مَحَلَّ الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ وَقَعَ الْمِدَادُ بِحَيْثُ يُعَدُّ مِنْ مِثْلِهِ أَنَّ صَاحِبَ الثَّوْبِ مِمَّنْ يَتَعَاطَى الْكِتَابَةَ، وَذَكَرَ الرُّويَانِيُّ فِيمَا إذَا كَانَ عَلَى الثَّوْبِ أَثَرُ مِدَادٍ فَظَنَّهُ كَاتِبًا طَرِيقَيْنِ:
أحدهما: أَنَّ فِيهِ وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اسْتَعَارَ ثَوْبًا فَقَدْ ظَنَّ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، فَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الرُّويَانِيُّ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَسْأَلَةِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْقَطْعُ فِي مَحَلٍّ، وَالْخِلَافُ فِي مَحَلٍّ آخَرَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الطَّرِيقَانِ فِي هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ الْأَخِيرَةِ (وَالْأَفْقَهُ) التَّفْصِيلُ الْمُتَقَدِّمُ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ رحمه الله هَذِهِ الْمَرْتَبَةَ الْأَخِيرَةَ وَلَا شَيْئًا مِنْ أَمْثِلَةِ الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ مَسْأَلَةَ سُبُوطَةِ الشَّعْرِ وَقَدْ نَبَّهْتُ عَلَى أَنَّهَا - وَإِنْ كَانَ فِيهَا خِلَافٌ فِي الرَّدِّ - فَلَيْسَ ذَلِكَ اخْتِلَافٌ فِي إلْحَاقِهِ بِالْمُصَرَّاةِ، بَلْ لِأَجْلِ خُرُوجِهَا عَلَى الْوَصْفِ الْأَكْمَلِ.
فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ رحمه الله عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ إلَّا ذِكْرُ الْمُصَرَّاةِ وَمَا يُلْحَقُ بِهَا،