فهرس الكتاب
ج / 11 ص -203- التَّصْرِيَةِ، فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى قَدْرِهِ فَذَاكَ، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي، فَهَذِهِ أَرْبَعُ طُرُقٍ، وَفِي تَعْلِيقِ أَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ عَنْ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ يَرُدُّهَا قَوْلًا وَاحِدًا، وَيَرُدُّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي هَذَا مُوَافَقَةٌ لِصَاحِبِ التَّهْذِيبِ، وَفِي تَعْلِيقِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ الَّتِي بِخَطِّ سَلِيمٍ، وَتَعْلِيقِ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَغَيْرِهِمَا تَفْصِيلٌ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَهُوَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُمْكِنْ هُنَاكَ رَدُّ اللَّبَنِ الْمَحْلُوبِ وَلَا رَدُّ شَيْءٍ لِأَجْلِهِ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا فِي حَالَةِ الْعَقْدِ وَإِنَّمَا حَدَثَ فِي مِلْكِهِ وَإِنْ كَانَ يُنْتَجُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ شَيْءٌ فَذَلِكَ يَسِيرٌ لَا حُكْمَ لَهُ، وَمَا حَدَثَ فِي مِلْكِهِ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ الرَّدِّ وَلَا يُوجِبُ عَلَيْهِ بَدَلًا كَغَلَّةِ الْعَبْدِ، فَهَذَا الْقِسْمُ لَا يُمْكِنُ الْخِلَافُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَ الْعَقْدِ لَبَنٌ يُقَابَلُ بِقِسْطٍ مِنْ الثَّمَنِ، فَإِيجَابُ الْبَدَلِ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَعْنًى وَلَا يُفِيدُ أَنَّ فِي ضَرْعِهَا لَبَنٌ 1مُجْتَمِعٌ لَبَنُ الْعَادَةِ لَا لَبَنُ التَّصْرِيَةِ، فَحَلَبَهَا ثُمَّ عَلِمَ بِهَا عَيْبًا فَإِنْ كَانَ اللَّبَنُ تَالِفًا فَلَا رَدَّ؛ لِأَنَّهُ تَنَاوَلَهُ لِاسْتِعْلَامِ الْعَيْبِ، فَلَا يُمْكِنُ لَهُ رَدُّ بَعْضِ الْمَبِيعِ.
وَنَقَلَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ أَنَّ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: لَهُ رَدُّ الشَّاةِ وَلَا يَرُدُّ بَدَلَ اللَّبَنِ، وَأَنَّهُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْقَدِيمِ؛ لِأَنَّ لَبَنَ غَيْرِ التَّصْرِيَةِ يَسِيرٌ، قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ وَالشَّاشِيُّ: وَالْأَوَّلُ أَقْيَسُ، وَإِذَا ضَمَمْتَ مَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ إلَى مَا اخْتَارَهُ هُوَ لَاجْتَمَعَ فِي الْمَسْأَلَةِ فِي هَذَا الْقِسْمِ خَمْسُ طُرُقٍ:
أحدها: امْتِنَاعُ الرَّدِّ. وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَمَنْ وَافَقَهُمَا.
والثاني: الرَّدُّ فَلَا يَرُدُّ بَدَلَ اللَّبَنِ شَيْئًا، وَهُوَ الْمَحْكِيُّ عَنْ نَصِّهِ فِي الْقَدِيمِ. وَالرَّافِعِيُّ نَقَلَهُ عَنْ حِكَايَةِ أَبِي حَامِدٍ، وَلَمْ أَرَهُ فِي تَعْلِيقِهِ فِي هَذَا الْقِسْمِ صَرِيحًا، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ مُطْلَقًا. وَأَمَّا أَبُو الطَّيِّبِ فَإِنَّهُ صَرَّحَ بِهِ فِي هَذَا الْقِسْمِ كَمَا ذَكَرْتُ.
الطَّرِيقُ الثَّالِثُ: قَوْلُ صَاحِبِ التَّهْذِيبِ: إنَّهُ يَرُدُّهَا وَيَرُدُّ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ.
الرابع: قَوْلُ الْمَاوَرْدِيُّ: إنَّهُ يَرُدُّ بَدَلَ اللَّبَنِ وَلَا يَرُدُّ الصَّاعَ.
الخامس: قَوْلُ الْإِمَامِ: التَّخْرِيجُ عَلَى مُقَابَلَتِهِ بِالْقِسْطِ وَالْأَصَحُّ الْمُقَابَلَةُ، فَيَلْزَمُ رَدُّ بَدَلِهِ، لَكِنْ مَاذَا يَرُدُّ هَلْ هُوَ التَّمْرُ؟ كَمَا قَالَ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ أَوْ غَيْرُهُ؟ كَمَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ، لَمْ يُصَرِّحْ الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ بِشَيْءٍ. وَإِنْ كَانَ اللَّبَنُ بَاقِيًا فَعِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَمَنْ وَافَقَهُمَا يَنْبَنِي عَلَى الْوَجْهَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ، فِيمَا لَوْ كَانَ اللَّبَنُ بَاقِيًا وَطَلَبَ الْمُشْتَرِي رَدَّهُ مَعَ الْمُصَرَّاةِ إنْ قُلْنَا: يَرُدُّ رَدَّهُ وَرَدَّهَا بِالْعَيْبِ وإن قلنا: لَا يَرُدُّ يَرْجِعُ بِالْأَرْشِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الرَّافِعِيُّ رحمه الله وَصَاحِبُ التَّهْذِيبِ وَالْإِمَامُ وَالْمَاوَرْدِيُّ لِحَالَةِ بَقَاءِ اللَّبَنِ بِخُصُوصِهَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ صَاحِبَ التَّهْذِيبِ الْقَائِلُ: يَرُدُّ بِهِ الصَّاعَ التَّمْرَ. لَا يَفْتَرِقُ الْحَالُ عِنْدَهُ بَيْنَ بَقَاءِ اللَّبَنِ وَتَلَفِهِ كَالْمُصَرَّاةِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَالْمَاوَرْدِيُّ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، وَهُوَ الظَّاهِرُ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 لبن هنا اسم ل (أن) بدون تنوين لأنه مضاف والمضاف إليه مجتمع الذي أضيف إليه لبن العادة فهنا تتالى إضافات فانتبه. (المطيعي)