فهرس الكتاب
ج / 11 ص -209- وَعَنْ أَبِي الْحَمْرَاءِ قَالَ:"رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بِجَنَبَاتِ رَجُلٍ عِنْدَهُ طَعَامٌ فِي وِعَاءٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ فَقَالَ: لَعَلَّكَ غَشَشْتَ: مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا"رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْأَحَادِيثُ فِي تَحْرِيمِ الْغِشِّ وَوُجُوبِ النَّصِيحَةِ كَثِيرَةٌ جِدًّا وَحُكْمُهَا مَعْلُومٌ مِنْ الشَّرِيعَةِ، وَكِتْمَانُ الْعَيْبِ غِشٌّ، وَفِي حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ الثَّابِتِ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا".
وَعَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"الدِّينُ النَّصِيحَةُ"وَعَنْ جَرِيرٍ رضي الله عنه قَالَ:"بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى إقَامَةِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ"رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ.
أَمَّا اللُّغَةُ: فَالْعَيْبُ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْعَيْبُ وَالْعَيْبَةُ وَالْعَابُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ تَقُولُ عَابَ الْمَتَاعَ إذَا صَارَ ذَا عَيْبٍ وَعَيَّبْتُهُ أَنَا يَتَعَدَّى وَلَا يَتَعَدَّى فَهُوَ مَعِيبٌ وَمَعْيُوبٌ أَيْضًا عَلَى الْأَصْلِ فَيَقُولُ: مَا فِيهِ مَعَابَةٌ وَمَعَابٌ أَيْ عَيْبٌ، وَالْمَعَابُ الْعُيُوبُ، وَعَيَّبَهُ نَسَبَهُ إلَى الْعَيْبِ، [وَعَيَّبَهُ] 1 جَعَلَهُ ذَا عَيْبٍ وَتَعَيَّبَهُ مِثْلُهُ.
وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: الْعَيْبُ فِي الشَّيْءِ مَعْرُوفٌ وَقَدْ قَسَّمَ أَصْحَابُنَا الْعَيْبَ وَأَوْضَحُوهُ وَبَيَّنُوهُ بَيَانًا شَافِيًا، وَسَأَذْكُرُ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَالْعَيْبُ الَّذِي يُرَدُّ بِهِ الْمَبِيعُ مَا يَعُدُّهُ النَّاسُ عَيْبًا. وَالنَّقَبُ - بِفَتْحِ النُّونِ وَالْقَافِ وَبَعْدَهَا بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ، وَهُوَ مَصْدَرُ نَقِبَ بِكَسْرِ الْقَافِ يَنْقُبُ بِفَتْحِهَا - يُقَالُ: نَقِبَ خُفُّ الْبَعِيرِ إذَا رَقَّ وَحَفِيَ وَنَقِبَ الْخُفُّ إذَا تَخَرَّقَ، وَيُقَالُ نَقَبَ الْبَيْطَارُ - بِفَتْحِ الْقَافِ - سُرَّةَ الدَّابَّةِ لِيُخْرِجَ مِنْهَا مَاءً، وَتِلْكَ الْحَدِيدَةُ مِنْقَبٌ، وَذَلِكَ الْمَكَانُ مِنْقَبٌ، وَقَوْلُهُ بِخُفِّهَا قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الْخُفُّ لِلْبَعِيرِ وَالْحَافِرُ لِلْفَرَسِ وَالْبَغْلِ وَالْحِمَارِ، وَمَا لَيْسَ بِمُنْشَقِّ الْقَائِمِ مِنْ الدَّوَابِّ وَالظِّلْفُ لِلْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالظِّبَاءِ، وَكُلُّ حَافِرٍ مُنْشَقُّ مُنْقَسِمٌ.
وَالتَّدْلِيسُ الْمُرَادُ بِهِ إخْفَاءُ الْعَيْبِ مَأْخُوذٌ مِنْ الدُّلْسَةِ وَهِيَ الظُّلْمَةُ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: التَّدْلِيسُ أَنْ يَكُونَ بِالسِّلْعَةِ عَيْبٌ بَاطِنٌ وَلَا يُخْبِرُ الْبَائِعُ الْمُشْتَرِيَ بِذَلِكَ الْعَيْبِ الْبَاطِنِ وَيَكْتُمُهُ إيَّاهُ فَإِذَا كَتَمَ الْبَائِعُ الْعَيْبَ وَلَمْ يُخْبِرْ بِهِ فَقَدْ دَلَّسَ، وَيُقَالُ فُلَانٌ لَا يُدَلِّسُ وَلَا يُوَاكِسُ أَيْ لَا يُخَادِعُ، وَمَا فِي فُلَانٍ دَلْسٌ وَلَا وَكْسٌ، أَيْ مَا فِيهِ خُبْثٌ وَلَا مَكْرٌ وَلَا خِيَانَةٌ. هَذَا مِنْ كَلَامِ الْأَزْهَرِيِّ رحمه الله.
أَمَّا الْأَحْكَامُ: فَقَدْ تَضَمَّنَ الْفَصْلُ ثَلَاثَ مَسَائِلَ: الْأُولَى أَنَّ مَنْ مَلَكَ عَيْنًا وَعَلِمَ بِهَا عَيْبًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَبِيعَهَا حَتَّى يُبَيِّنَ عَيْبَهَا، وَهَذَا الْحُكْمُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لِلنُّصُوصِ الْمُتَقَدِّمَةِ لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله فِي آخِرِ بَابِ الْخَرَاجِ بِالضَّمَانِ مِنْ الْمُخْتَصَرِ:"وَحَرَامٌ التَّدْلِيسُ. وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الْأَصْحَابِ".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 بفتح العين وتشديد الياء المثناة مع الفتح.