فهرس الكتاب

الصفحة 3887 من 4102

ج / 11 ص -210- وَأَمَّا مَا قَالَهُ الْجُرْجَانِيُّ فِي الشَّافِي وَالْمَحَامِلِيُّ فِي الْمُقْنِعِ أَنَّهُ إذَا كَانَ مَعَ الرَّجُلِ سِلْعَةٌ وَبِهَا عَيْبٌ يَعْلَمُهُ وَأَرَادَ بَيْعَهَا، اُسْتُحِبَّ لَهُ إظْهَارُهُ، فَعِبَارَةٌ رَدِيئَةٌ مُوهِمَةٌ وَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَذَلِكَ لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ لَهُ عِلْمٌ، وَتَقْيِيدُ الْمُصَنِّفِ رحمه الله بِالْعِلْمِ قَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ الْكَلَامِ فِيهِ. وَإِنَّ نَصَّ الْحَدِيثِ مُطْلَقٌ بِخِلَافِ مَا أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ رضي الله عنه فِي التَّنْبِيهِ. وَمَنْ عَلِمَ بِالسِّلْعَةِ عَيْبًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَبِيعَهَا حَتَّى يُبَيِّنَ عَيْبَهَا، وَذَلِكَ يَشْمَلُ الْمَالِكَ وَالْوَكِيلَ وَالْوَلِيَّ. وَعِبَارَتُهُ هُنَا مُخْتَصَّةٌ بِالْمَالِكِ، لَكِنَّ الْوَكِيلَ وَالْوَلِيَّ يَنْدَرِجُ فِي قَوْلِهِ هُنَا: وَإِنْ عَلِمَ غَيْرُ الْمَالِكِ بِالْعَيْبِ لَزِمَهُ أَنْ يُبَيِّنَ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ رحمه الله فِي الْكِتَابَيْنِ جَمِيعًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ عِنْدَ كِتْمَانِ الْعَيْبِ مُحَرَّمٌ. وَعِبَارَةُ الشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ: وَحَرَامٌ التَّدْلِيسُ. وَكَذَلِكَ عِبَارَةُ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ تَدُلُّ عَلَى حُرْمَةِ كِتْمَانِ الْعَيْبِ وَوُجُوبِ بَيَانِهِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْبَيْعِ، وَكَذَلِكَ أَلْفَاظُ الْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ.

وَقَدْ أَشَرْتُ إلَى هَذَا الْمَعْنَى فِيمَا تَقَدَّمَ وَلَكِنْ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ، وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ حَرَامٌ وَحُرْمَتُهُمَا مُخْتَلِفَةٌ، فَالتَّدْلِيسُ حَرَامٌ بِالْقَصْدِ فِي نَفْسِهِ، وَالْبَيْعُ لَيْسَ حَرَامًا لِذَاتِهِ وَلَكِنْ حَرَامٌ لِغَيْرِهِ، وَضَبْطُ هَذَا نَافِعٌ فِيمَا سَيَأْتِي فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ.

وَفِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ وَالْأَصْحَابِ وَأَلْفَاظِ الْحَدِيثِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكْفِي الْبَائِعُ الْعَالِمُ بِالْعَيْبِ أَنْ يَقُولَ: هُوَ مَعِيبٌ، أَوْ يَبِيعَهُ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْعُيُوبِ، أَوْ يَقُولَ: إنَّ بِهِ جَمِيعَ الْعُيُوبِ أَوْ إنَّهُ لَا يَضْمَنُ غَيْرَ الْحَلِّ كَمَا جَرَتْ عَادَةُ بَعْضِ النَّاسِ بِفِعْلِ ذَلِكَ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ الْعَيْبِ الْمَعْلُومِ بِعَيْنِهِ وَالْعِبَارَاتُ الْأُولَى كُلُّهَا فِيهَا إجْمَالٌ لَا بَيَانٌ وَقَدْ يَظُنُّ الْمُشْتَرِي سَلَامَتَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْبَائِعَ إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ حَذَرًا مِنْ الْعُهْدَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا نَصَّ لَهُ عَلَى الْعَيْبِ بِعَيْنِهِ، فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ عَلَى بَصِيرَةٍ. وَإِطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ رحمه الله وَالْأَصْحَابِ وَالشَّافِعِيِّ حُرْمَةَ التَّدْلِيسِ وَوُجُوبَ الْبَيَانِ يَتَنَاوَلُ مَا إذَا كَانَ الْمُشْتَرِي مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا وَلَفْظُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي ذُكِرَتْ وَاسْتَدَلَّ بِهَا الْمُصَنِّفُ رحمه الله إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى الْمُسْلِمِ لِلْمُسْلِمِ، وَهَذَا كَمَا تَقَدَّمَ وَرَدَ فِي الْخِطْبَةِ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، وَالسَّوْمِ عَلَى سَوْمِهِ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ رحمهم الله عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ.

وَحَكَى الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ عَنْ أَبِي عُبَيْدِ بْنِ حَرْبَوَيْهِ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي الْخِطْبَةِ أَنَّ الْمَنْعَ مَخْصُوصٌ بِمَا إذَا كَانَ مُسْلِمًا، أَمَّا الذِّمِّيُّ فَتَجُوزُ الْخِطْبَةُ عَلَى خِطْبَتِهِ قَالَ: وَبِمِثْلِهِ أَجَابَ فِي السَّوْمِ عَلَى السَّوْمِ. قلت: فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَطَّرِدَ ذَلِكَ هُنَا أَيْضًا، وَيُجْعَلَ تَحْرِيمُ الْكِتْمَانِ خَاصًّا بِمَا إذَا كَانَ الْمُشْتَرِي مُسْلِمًا، وَيُوَافِقُهُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ بِبَيْعِ الْمُسْلِمِ الْمُسْلِمَ، لَا دَاءَ وَلَا خِبْثَةَ، وَفَسَّرَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ الْخِبْثَةَ بَيْعُ أَهْلِ الْعَهْدِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَطَّرِدَ ابْنُ حَرْبَوَيْهِ مَذْهَبُهُ هُنَا، وَهُوَ الْأَقْرَبُ وَيُفَرَّقُ بِأَنَّ الْخِطْبَةَ عَلَى الْخِطْبَةِ وَالسَّوْمَ عَلَى السَّوْمِ لَيْسَ فِيهِ إلَّا إيغَارُ الصُّدُورِ، وَذَلِكَ حَاصِلٌ فِي حَقِّ الْكَافِرِ.

وَأَمَّا كِتْمَانُ الْعَيْبِ فَفِيهِ ضَرَرٌ بَيِّنٌ وَأَخْذُ الْمَالِ الَّذِي بَذَلَهُ الْمُشْتَرِي ثَمَنًا عَلَى ظَنِّ السَّلَامَةِ، وَلَهُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت