فهرس الكتاب

الصفحة 3889 من 4102

ج / 11 ص -212- الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: إنْ بَاعَ وَلَمْ يُبَيِّنْ الْعَيْبَ صَحَّ الْبَيْعُ مَعَ الْمَعْصِيَةِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله فِي الْمُخْتَصَرِ:"وَحَرَامٌ التَّدْلِيسُ وَلَا يُنْقَضُ بِهِ الْبَيْعُ"وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْبَائِعَ إذَا بَاعَ سِلْعَةً يَعْلَمُ أَنَّ فِيهَا عَيْبًا، فَإِمَّا أَنْ يَشْتَرِطَ فِيهَا السَّلَامَةَ مُطْلَقًا أَوْ عَنْ ذَلِكَ الْعَيْبِ، وَإِمَّا أَنْ يُطْلِقَ، فَإِنْ أَطْلَقَ وَاقْتَصَرَ عَلَى كِتْمَانِ الْعَيْبِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ، فَمَذْهَبُنَا وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ، وَنَقَلَ الْمَحَامِلِيُّ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُمَا عَنْ دَاوُد أَنَّهُ لَا يَصِحُّ. وَنَقَلَهُ ابْنُ الْمُغَلِّسِ عَنْ بَعْضِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَيْضًا.

وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ رضي الله عنه فَإِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم جَعَلَ مُشْتَرِيَ الْمُصَرَّاةِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَمْسَكَ وَإِنْ شَاءَ رَدَّ مَعَ التَّدْلِيسِ الْحَاصِلِ مِنْ الْبَائِعِ بِالتَّصْرِيَةِ وَهِيَ عَيْبٌ مُثْبِتٌ لِلْخِيَارِ بِمُقْتَضَى الْحَدِيثِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ التَّدْلِيسَ بِالْعَيْبِ وَكِتْمَانِهِ لَا يُبْطِلُ الْبَيْعَ، وَبِأَنَّ النَّهْيَ لِمَعْنًى فِي الْعَاقِدِ وَالنَّهْيُ إذًا كَانَ لِمَعْنًى فِي الْعَاقِدِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْبَيْعِ كَالْبَيْعِ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَإِنَّمَا يَبْطُلُ النَّهْيُ إذَا تَوَجَّهَ إلَى الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ كَالنَّهْيِ عَنْ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ بَيْعٍ وَقْتَ النِّدَاءِ لَمَّا لَمْ يَرْجِعْ إلَى ذَاتِ الْعَقْدِ لَمْ يَقْتَضِ الْفَسَادَ، بَلْ مَا نَحْنُ فِيهِ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ وَقْتَ النِّدَاءِ مُتَوَجِّهٌ إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مُعَلَّلًا بِأَمْرٍ خَارِجٍ. وَأَمَّا هُنَا فِي الْمُصَرَّاةِ فَلَمْ يَرِدْ النَّهْيُ عَلَى الْبَيْعِ، وَإِنَّمَا وَرَدَ هُنَا عَلَى كِتْمَانِ الْعَيْبِ كَمَا أَشَرْتُ إلَيْهِ فِيمَا تَقَدَّمَ وَفِي الْمُصَرَّاةِ عَلَى التَّصْرِيَةِ، فَلَيْسَ الْبَيْعُ مَنْهِيًّا عَنْهُ أَصْلًا، بَلْ هُوَ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُبَاحٌ، وَالْحَرَامُ هُوَ الْكِتْمَانُ، وَالْبَيْعُ وَقْتَ الْجُمُعَةِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى التَّفْوِيتِ، فَلْتَفْهَمْ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ. وَبِهَذَا يُجَابُ عَنْ اسْتِدْلَالِ الظَّاهِرِيَّةِ بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:"كُلُّ عَمَلٍ لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ"فَنَقُولُ: التَّدْلِيسُ هُوَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ، وَهُوَ مَرْدُودٌ.

فَإِنْ قُلْتَ: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْبَائِعَ إذَا لَمْ يُبَيِّنْ الْعَيْبَ حَرَامٌ، وَأَنَّ الْمُصَنِّفَ رحمه الله صَرَّحَ بِهِ فِي التَّنْبِيهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ مِثْلُ الْبَيْعِ وَقْتَ النِّدَاءِ، فَلَمْ يَكُنْ أَوْلَى مِنْهُ بِالصِّحَّةِ قلت: لَا شَكَّ أَنَّ الْمَرَاتِبَ ثَلَاثٌ:

الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى: وَهِيَ أَعْلَاهَا مَا كَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ لِمَعْنًى فِيهِ، كَبَيْعِ الْمُلَامَسَةِ.

الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ: مَا كَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ لَا لِمَعْنًى فِيهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ، بَلْ لِاسْتِلْزَامِهِ أَمْرًا مَمْنُوعًا كَالْبَيْعِ وَقْتَ النِّدَاءِ فَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِلتَّفْوِيتِ الْمَمْنُوعِ، أَوْ هُوَ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ مَا يَحْصُلُ بِهِ التَّفْوِيتُ، وَالْمُتَضَمِّنُ أَوْ الْمُسْتَلْزِمُ لِلْمَمْنُوعِ مَمْنُوعٌ.

الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ: وَهِيَ أَدْنَاهَا مَا لَمْ يُنْهَ عَنْهُ أَصْلًا وَلَكِنْ بِهِ يَتَحَقَّقُ مَا هُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، فَهَذَا لَمْ يُخْرِجْهُ الشَّرْعُ عَنْ قِسْمِ الْإِبَاحَةِ فَهُوَ كَسَائِرِ الْمُبَاحَاتِ إذَا اسْتَلْزَمَ شَيْءٌ مِنْهَا مُحَرَّمًا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، لَا نَقُولُ: إنَّهُ يَنْقَلِبُ مِنْ الْإِبَاحَةِ إلَى التَّحْرِيمِ، وَيُوَضِّحُ لَكَ هَذَا أَنَّهُ فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ إذَا اشْتَغَلَ بِالْبَيْعِ وَفَوَّتَ السَّعْيَ لِلْجُمُعَةِ يَأْثَمُ إثْمَيْنِ: إثْمٌ لِلْبَيْعِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَإِثْمٌ لِتَفْوِيتِ الْوَاجِبِ، وَفِي هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ لَا يَأْثَمُ إلَّا إثْمًا وَاحِدًا عَلَى الْغِشِّ وَكِتْمَانِ الْعَيْبِ عَلَى الْبَيْعِ، وَلَا يَأْثَمُ عَلَى الْبَيْعِ إثْمًا آخَرَ. وَإِذَا حَكَمْنَا عَلَى الْبَيْعِ الْمُقَارِنِ لِلْغِشِّ بِالتَّحْرِيمِ كَذَلِكَ حُكِمَ عَلَى الْمَجْمُوعِ الْمُتَضَمِّنِ لِلْغِشِّ الْمُحَرَّمِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت