فهرس الكتاب
ج / 11 ص -213- أَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ حَرَامٌ ثَمَّ، أَيْ لَيْسَ الْبَيْعُ أَصْلًا فِي حَالَةٍ مِنْ الْأَحْوَالِ مُسْتَلْزِمًا لِلْكِتْمَانِ؛ لِأَنَّ كُلَّ بَيْعٍ يُمْكِنُ أَنْ يُخْبَرَ مَعَهُ بِالْعَيْبِ، وَلَا يَجُوزُ الْحُكْمُ عَلَى الْبَيْعِ بِالتَّحْرِيمِ إلَّا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي بَيَّنْتُهُ، إذْ يُرَادُ تَحْرِيمُ الْمَجْمُوعِ أَعْنِي الْبَيْعَ مَعَ الْغِشِّ فَلَيْسَ الْبَيْعُ وَحْدَهُ مَنْهِيًّا عَنْهُ بِطَرِيقِ الْقَصْدِ، وَلَا بِطَرِيقِ الِاسْتِلْزَامِ، وَقَدْ وَافَقَ الظَّاهِرِيُّونَ أَوْ مَنْ وَافَقَ مِنْهُمْ عَلَى تَصْحِيحِ الْبَيْعِ مَعَ النَّجْشِ قَالُوا: لِأَنَّ الْبَيْعَ غَيْرُ النَّجْشِ، وَذَلِكَ يُوَافِقُ مَا قُلْنَاهُ هُنَا وَوَافَقُوا عَلَى تَصْحِيحِ الْبَيْعِ مَعَ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ وَنَصُّ الْحَدِيثِ عَلَى ذَلِكَ، فَهُوَ حُجَّةٌ لَنَا هُنَا أَيْضًا.
وَالظَّاهِرِيَّةُ فِي الْمُصَرَّاةِ وَنَحْوِهَا يَجْعَلُونَ ذَلِكَ خَارِجًا بِالنَّصِّ وَيَتَمَسَّكُونَ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ بِمَا ذَكَرُوهُ، وَقَدْ تَبَيَّنَ الْجَوَابُ عَنْهُ بِحَوْلِ اللَّهِ وَقُوَّتِهِ. وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ فِي بَابِ صِحَّةِ الْبَيْعِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ التَّدْلِيسُ حَدِيثًا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ"أَنَّ ابْنَ عُمَرَ اشْتَرَى إبِلًا هِيمًا1 مِنْ شَرِيكٍ لِرَجُلٍ يُقَالُ لَهُ نُوَاسٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَأَخْبَرَ نُوَاسٌ أَنَّهُ بَاعَهَا مِنْ شَيْخِ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ: وَيْلَكَ، فَجَاءَ نُوَاسٌ إلَى ابْنِ عُمَرَ فَقَالَ: إنَّ شَرِيكِي بَاعَكَ إبِلًا هِيمًا وَلَمْ يُعَرِّفْكَ، قَالَ: فَاسْتَقْهَا إذَنْ، فَلَمَّا ذَهَبَ لِيَسْتَاقَهَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ: دَعْهَا. رَضِينَا بِقَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَا عَدْوَى"، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: نَقَلَ الْمَاوَرْدِيُّ قَبْلَ بَابِ: لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ، عَنْ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: فِي ثَمَنِ التَّدْلِيسِ حَرَامٌ، لَا ثَمَنُ الْمَبِيعِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَبِيعَ إذَا مَاتَ يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِأَرْشِ عَيْبِ التَّدْلِيسِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَخَذَ مِنْهُ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ، وَهَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ، كَيْفَ يَكُونُ الثَّمَنُ حَرَامًا وَالْبَيْعُ صَحِيحًا؟ وَسَيَأْتِي فِي بَابِ الْمُرَابَحَةِ كَلَامٌ فِي ذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الْإِخْبَارِ بِالزِّيَادَةِ، وَلَعَلَّ مُرَادَ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ هُنَا أَنَّ الْقَدْرَ الزَّائِدَ بِسَبَبِ التَّدْلِيسِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ اسْتِرْجَاعَهُ عِنْدَ فَوَاتِ الْمَبِيعِ هُوَ الْمُحَرَّمُ، لَا جُمْلَةُ الثَّمَنِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ رَضِيَ الْمُشْتَرِي بِالْعَيْبِ اسْتَقَرَّ مِلْكُ الْبَائِعِ عَلَى الثَّمَنِ كُلِّهِ وَلَوْ لَمْ يَرْضَ بِهِ - وَالْمَبِيعُ قَائِمٌ - اسْتَرْجَعَهُ كُلَّهُ، فَإِنْ كَانَ عَدَمُ اسْتِقْرَارِهِ مُوجِبًا لِلْوَصْفِ بِالتَّحْرِيمِ فَلْيَكُنْ جَمِيعُهُ حَرَامًا أَوْ لَا فَلَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْهُ حَرَامًا.
فرع: هَذَا كُلُّهُ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ إذَا بَاعَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، وَلَكِنَّهُ كَانَ عَالِمًا بِالْعَيْبِ، أَمَّا لَوْ اشْتَرَطَ السَّلَامَةَ فَكَانَتْ مَعِيبَةً، أَوْ شَرَطَ وَصْفًا وَأَخْلَفَ، فَالْمَشْهُورُ الصِّحَّةُ، وَثُبُوتُ الْخِيَارِ كَحَالَةِ الْإِطْلَاقِ. وَحَكَى الرَّافِعِيُّ عَنْ الْحَنَّاطِيِّ أَنَّهُ حَكَى قَوْلًا غَرِيبًا أَنَّ الْخُلْفَ فِي الشَّرْطِ يُوجِبُ فَسَادَ الْبَيْعِ وَهُوَ يُوَافِقُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ الظَّاهِرِيَّةِ، وَهُمْ قَائِلُونَ بِذَلِكَ فِي الشَّرْطِ أَيْضًا، وَلَا يَلْزَمُ طَرْدُ هَذَا الْقَوْلِ الْغَرِيبِ هُنَاكَ؛ لِأَنَّ تَعَلُّقَ الْغَرَضِ بِالْوَصْفِ الْمَشْرُوطِ لَفْظًا أَقْوَى، وَعِنْدَ الْإِطْلَاقِ الْعَقْدُ مُتَعَلِّقٌ بِالْمُتَعَيَّنِ، وَإِنْ كَانَ الْعُرْفُ يَقْتَضِي السَّلَامَةَ، فَهَذَا فَرْقٌ عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي حَكَاهُ الْحَنَّاطِيُّ حَتَّى لَا يَلْزَمُ طَرْدُهُ، وَإِنْ كَانَ هُوَ ضَعِيفًا؛ لِأَنَّ مَوْرِدَ الْعَقْدِ الْمُعَيَّنُ مَعَ الشَّرْطِ أَيْضًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الهيام: داء يصيب الإبل كالحمى.