فهرس الكتاب

الصفحة 3891 من 4102

ج / 11 ص -214- قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْعَيْبِ وَاشْتَرَاهُ ثُمَّ عَلِمَ بِالْعَيْبِ، فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُمْسِكَ وَبَيْنَ أَنْ يَرُدَّ؛ لِأَنَّهُ بَذَلَ الثَّمَنَ لِيَسْلَمَ لَهُ مَبِيعٌ سَلِيمٌ وَلَمْ يَسْلَمْ لَهُ ذَلِكَ فَثَبَتَ لَهُ الرُّجُوعُ بِالثَّمَنِ كَمَا قُلْنَا فِي الْمُصَرَّاةِ".

الشرح: الْمُشْتَرِي لِلْعَيْنِ الْمَعِيبَةِ تَارَةً يَكُونُ عَالِمًا بِعَيْبِهَا، وَتَارَةً لَا يَكُونُ.

الْحَالَةُ الْأُولَى: إنْ كَانَ عَالِمًا فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ لِرِضَاهُ بِالْعَيْبِ، وَلَا يَأْتِي فِيهِ الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ فِي الْمُصَرَّاةِ إذَا كَانَ عَالِمًا بِالتَّصْرِيَةِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَنَدَ فِي ثُبُوتِ الْخِيَارِ هُنَاكَ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِهِ: التَّعَبُّدُ، وَإِنَّ ذَلِكَ خِيَارٌ ثَابِتٌ بِالشَّرْعِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَيْسَ هَهُنَا كَذَلِكَ وَهَذِهِ الْحَالَةُ تُؤْخَذُ مِنْ مَفْهُومِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ رحمه الله فَإِنَّهُ شَرَطَ فِي الْخِلَافِ عَدَمَ الْعِلْمِ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّ عِنْدَ الْعِلْمِ لَا خِيَارَ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ فِي كِتَابِ مَرَاتِبِ الْإِجْمَاعِ: وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إذَا بَيَّنَ لَهُ الْبَائِعُ بِعَيْبٍ فِيهِ وَحَدَّ مِقْدَارَهُ، وَوَقَفَهُ عَلَيْهِ إنْ كَانَ فِي جِسْمِ الْمَبِيعِ، فَرَضِيَ بِذَلِكَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ قَدْ لَزِمَهُ وَإِلَّا رَدَّ لَهُ بِذَلِكَ الْعَيْبِ.

فرع: فَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَدْ عَلِمَ بِهِ، وَلَكِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ عَيْبٌ يُوكِسُ الثَّمَنَ، وَيُوجِبُ الْفَسْخَ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَلَا رَدَّ لَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ يُمْكِنُهُ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ. وَلِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الرَّدِّ حُكْمٌ، وَالْجَهْلُ بِالْأَحْكَامِ لَا يُسْقِطُهَا. قَالَ: فَلَوْ كَانَ شَاهَدَ الْعَيْبَ قَدِيمًا وَقَالَ: ظَنَنْتُ أَنَّهُ قَدْ زَالَ فَلَا تَأْثِيرَ لِهَذَا الْقَوْلِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْعَيْبِ، وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ، قَالَهُ صَاحِبُ الْعُدَّةِ.

الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِالْعَيْبِ وَهِيَ مَنْطُوقُ مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ رحمه الله. وَقِيَاسُ ذَلِكَ عَلَى الْمُصَرَّاةِ إنْ كَانَتْ التَّصْرِيَةُ عَيْبًا ظَاهِرًا بِالْقِيَاسِ وَالْجَامِعُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ التَّصْرِيَةَ عَيْبٌ. وَإِنْ لَمْ تَكُنْ التَّصْرِيَةُ عَيْبًا فَمِنْ بَابِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ إذَا ثَبَتَ بِالتَّدْلِيسِ بِمَا لَيْسَ بِعَيْبٍ، فَثُبُوتُهُ بِالتَّدْلِيسِ بِالْعَيْبِ الْمُحَقَّقِ أَوْلَى. هَكَذَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَقُولُ بِالتَّصْرِيَةِ لَيْسَ بِعَيْبٍ يَجْعَلُهَا كَالشَّرْطِ وَيُلْحَقُ الْخِيَارُ فِيهَا بِخِيَارِ الْخُلْفِ. وَحِينَئِذٍ قَدْ يُقَالُ: لَا يَلْزَمُ مِنْ جَعْلِ التَّصْرِيَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ فِعْلِ الْبَائِعِ كَالشَّرْطِ جَعْلُ التَّدْلِيسِ بِالْعَيْبِ الَّذِي لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ. وَلَئِنْ جَعَلْنَا التَّدْلِيسَ بِالْعَيْبِ كَذَلِكَ فَالْعَيْبُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْبَائِعُ لَا يُمْكِنُ دَعْوَى ذَلِكَ فِيهِ، وَمَعَ ذَلِكَ الْخِيَارُ ثَابِتٌ بِهِ. وَلِأَجْلِ ذَلِكَ الطَّرِيقَةُ الَّتِي سَلَكَهَا الْمُصَنِّفُ رحمه الله وَاقْتَصَرَ عَلَيْهَا أَوْلَى فِي الِاسْتِدْلَالِ وَأَسْلَمُ عَنْ الِاعْتِرَاضِ. نَعَمْ هُوَ إنَّمَا يَأْتِي عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ: إنَّ التَّصْرِيَةَ عَيْبٌ أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي رَجَّحَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْوَجِيزِ أَنَّ الْخِيَارَ فِيهَا مُلْحَقٌ بِخِيَارِ الْخُلْفِ فَلَا؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْخِيَارِ فِي الْمُصَرَّاةِ الْمَقِيسِ عَلَيْهَا إخْلَافُ الشَّرْطِ الْمُلْتَزَمِ، وَلَمْ يُوجَدْ فِي مَسْأَلَتِنَا.

فَالْمُصَنِّفُ رحمه الله قَدْ جَعَلَ الْجَامِعَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ عَدَمَ حُصُولِ الْمَبِيعِ السَّلِيمِ فَعَلَى مَا اخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ لَا يَأْتِي، إلَّا أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ مَقِيسًا عَلَى الِالْتِزَامِ الشَّرْطِيِّ وَكَذَلِكَ فَعَلَ هُوَ فِي الْوَسِيطِ تَنْزِيلًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت