فهرس الكتاب
ج / 11 ص -215- لِغَلَبَةِ السَّلَامَةِ مَنْزِلَةَ الِاشْتِرَاطِ، ثُمَّ لَكَ أَنْ تَجْعَلَ الِالْتِزَامَ الشَّرْطِيَّ أَصْلًا يُكْتَفَى بِهِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ فِي الْوَسِيطِ، وَلَكَ أَنْ تَرُدَّهُ إلَى التَّصْرِيَةِ لِوُرُودِ النَّصِّ فِيهَا، وَقَدْ اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِالْقِيَاسِ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ حَدِيثٌ وَإِجْمَاعٌ، أَمَّا الْحَدِيثُ فَاَلَّذِي ذَكَرَهُ بَعْدَ هَذَا بِفَصْلٍ فِي الْخَرَاجِ بِالضَّمَانِ، فَإِنَّ فِيهِ أَنَّهُ خَاصَمَهُ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم"وَأَنَّهُ رَدَّهُ عَلَيْهِ بِالْعَيْبِ"وَسَنَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ هُنَاكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ عَلَى الْجُمْلَةِ. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَنْ اشْتَرَى شَيْئًا وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُ الْبَائِعُ الْعَيْبَ فِيهِ وَلَا اشْتَرَطَ الْمُشْتَرِي سَلَامَةً وَلَا اشْتَرَطَ الْإِخْلَاءَ بِهِ، وَلَا بَيْعَ مِنْهُ بِبَرَاءَةٍ، فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا كَانَ بِهِ عِنْدَ الْبَائِعِ وَكَانَ ذَلِكَ الْعَيْبُ يُمْكِنُ الْبَائِعَ مَعْرِفَتُهُ وَكَانَ يَحُطُّ مِنْ الثَّمَنِ حَطًّا لَا يَتَغَابَنْ النَّاسُ بِمِثْلِهِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْبَيْعُ، فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، يَعْنِي وَقْتَ عَقْدِ الْبَيْعِ، وَلَمْ يُتْلِفْ عَيْنَ الْمَبِيعِ وَلَا نَقَصَهَا، وَلَا تَغَيَّرَ اسْمُهُ وَلَا تَغَيَّرَ سُوقُهُ، وَلَا خَرَجَ عَنْ مِلْكِ الْمُشْتَرِي كُلُّهُ وَلَا بَعْضُهُ، وَلَا أَحْدَثَ الْمُشْتَرِي فِيهِ شَيْئًا وَلَا وَطْئًا وَلَا غَيْرَهُ، وَلَا ارْتَفَعَ ذَلِكَ الْعَيْبُ، وَكَانَ الْبَائِعُ قَدْ نَقَدَ فِيهِ جَمِيعَ الثَّمَنِ فَإِنَّ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرُدَّهُ وَيَأْخُذَ مَا أَعْطَى فِيهِ مِنْ الثَّمَنِ، وَإِنَّ لَهُ أَنْ يُمْسِكَهُ إنْ أَحَبَّ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا عَدَا كُلِّ مَا ذَكَرْنَاهُ بِمَا لَا سَبِيلَ إلَى ضَبْطِهِ بِإِجْمَاعٍ جَازَ انْتَهَى.
وَادَّعَى الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْغَاشِّ الْخَائِنِ وَغَيْرِهِ وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ رحمه الله إنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى الْقِيَاسِ. وَلَمْ يَذْكُرْ الْحَدِيثَ وَالْإِجْمَاعَ، لِأَنَّ الْحَدِيثَ فِيهِ رَدٌّ بِعَيْبٍ، وَذَلِكَ حِكَايَةُ حَالٍ لَا دَلَالَةَ لَهَا عَلَى الْعُمُومِ وَلَا إجْمَاعَ مُقَيَّدٌ بِالْقُيُودِ الْمَذْكُورَةِ، أَوْ أَكْثَرِهَا فَكَانَ الِاسْتِدْلَال بِالْقِيَاسِ أَشْمَلَ، وَبِالْجُمْلَةِ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ فِي الْجُمْلَةِ لَا شُبْهَةَ فِيهِ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُرَادَ الْعَيْبُ الْمَوْجُودُ عِنْدَ الْعَقْدِ، أَمَّا لَوْ وُجِدَ الْعَيْبُ وَزَالَ قَبْلَ الْقَبْضِ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا حُكْمَ لَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ زَالَ بَعْدَ الْبَيْعِ وَقَبْلَ الْقَبْضِ.
فرع: وَلِيُّ الطِّفْلِ إذَا اشْتَرَى لَهُ شَيْئًا فَظَهَرَ بِهِ عَيْبٌ، فَإِنْ كَانَ الشِّرَاءُ بِعَيْنِ الْمَالِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ نَفَذَ فِي حَقِّ الْوَلِيِّ، فَإِنْ اشْتَرَى سَلِيمًا فَحَدَثَ بِهِ عَيْبٌ قَبْلَ الْقَبْضِ فَإِنْ كَانَ الْحَظُّ فِي الْإِمْسَاكِ أَمْسَكَ أَوْ فِي الرَّدِّ رَدَّ، فَإِنْ تَرَكَ الرَّدَّ فَإِنْ كَانَ اشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ انْقَلَبَ إلَيْهِ، وَلَزِمَهُ الثَّمَنُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ مَالِ الطِّفْلِ بَطَلَ الْعَقْدُ، قَالَهُ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"فَإِنْ ابْتَاعَ شَيْئًا وَلَا عَيْبَ فِيهِ ثُمَّ حَدَثَ بِهِ عَيْبٌ فِي مِلْكِهِ نَظَرْتُ فَإِنْ كَانَ حَدَثَ قَبْلَ الْقَبْضِ ثَبَتَ لَهُ الرَّدُّ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ مَضْمُونٌ عَلَى الْبَائِعِ، فَثَبَتَ لَهُ الرَّدُّ بِمَا يَحْدُثُ فِيهِ مِنْ الْعَيْبِ كَمَا قَبْلَ الْعَقْدِ، وَإِنْ حَدَثَ الْعَيْبُ بَعْدَ الْقَبْضِ نَظَرْتُ فَإِنْ لَمْ يَسْتَنِدْ إلَى سَبَبٍ قَبْلَ الْقَبْضِ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ الرَّدُّ لِأَنَّهُ دَخَلَ الْمَبِيعُ فِي ضَمَانِهِ فَلَمْ يُرَدَّ بِالْعَيْبِ الْحَادِثِ، وَإِنْ اسْتَنَدَ إلَى مَا قَبْلَ الْقَبْضِ بِأَنْ كَانَ عَبْدًا فَسَرَقَ أَوْ قَطَعَ يَدًا قَبْلَ الْقَبْضِ، فَقُطِعَتْ يَدُهُ بَعْدَ الْقَبْضِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أحدهما: أَنَّهُ يَرُدُّ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ لِأَنَّهُ قُطِعَ بِسَبَبٍ كَانَ قَبْلَ الْقَبْضِ فَصَارَ كَمَا لَوْ قُطِعَ قَبْلَ الْقَبْضِ. والثاني: أَنَّهُ لَا يَرُدُّ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، لِأَنَّ الْقَطْعَ وُجِدَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، فَلَمْ يَرُدَّ كَمَا لَوْ لَمْ يَسْتَنِدْ إلَى سَبَبٍ قَبْلَهُ".