فهرس الكتاب
ج / 11 ص -223- وَقَدْ وَافَقَ ابْنُ الرِّفْعَةِ مَا فِي الرَّوْضَةِ السَّقِيمَةِ1 مِنْ الْغَلَطِ فِي الْحُكْمِ، وَجَعَلَ الْأَرْشَ عَلَى قَوْلِ ضَمَانِ الْبَائِعِ مَا بَيْنَ قِيمَتِهَا بِكْرًا مُزَوَّجَةً وَبِكْرًا غَيْرَ مُزَوَّجَةٍ. وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِزَوَاجِهَا أَوْ عَلِمَ وَرَضِيَ فَلَا رَدَّ لَهُ. فَإِنْ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا قَدِيمًا بَعْدَ مَا اُفْتُضَّتْ فِي يَدِهِ فَلَهُ الرَّدُّ إنْ جَعَلْنَاهُ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ، قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْبَغَوِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَخَالَفَهُمْ الْمُتَوَلِّي فَقَالَ: لَا رَدَّ وَهُوَ الرَّاجِحُ لِمَا سَأُنَبِّهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ جَعَلْنَاهُ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي رَجَعَ بِالْأَرْشِ، وَهُوَ مَا بَيْنَ قِيمَتِهَا مُزَوَّجَةً ثَيِّبًا سَلِيمَةً، وَمِثْلِهَا مَعِيبَةً، هَكَذَا قَالَ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ، وَلَكَ أَنْ تَقُولَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَا بَيْنَ قِيمَتِهَا مُزَوَّجَةً بِكْرًا سَلِيمَةً، وَمِثْلِهَا مَعِيبَةً، فَإِنَّ الْقِيمَةَ الْمُعْتَبَرَةَ قِيمَةُ يَوْمِ الْعَقْدِ عَلَى قَوْلٍ، وَيَوْمِ الْقَبْضِ عَلَى قَوْلٍ وَأَقَلُّ الْقِيمَتَيْنِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَعَلَى كُلِّ قَوْلٍ تُقَدَّرُ هُنَا بِكْرًا؛ لِأَنَّهَا بِكْرٌ عِنْدَ الْعَقْدِ وَعِنْدَ الْقَبْضِ. وَإِنَّمَا حَدَثَتْ الثُّيُوبَةُ بَعْدَ ذَلِكَ.
فَإِنْ قَالَ: إنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُ لِأَنَّ نِسْبَةَ الْبِكْرِ السَّلِيمَةِ مِنْ الْمَعِيبَةِ كَنِسْبَةِ الثَّيِّبِ السَّلِيمَةِ مِنْ الْمَعِيبَةِ وَهُوَ صَحِيحٌ، لَكِنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَعْتَدَّ فِي كَلَامِهِ بِالثَّيِّبِ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ وَهُوَ مَا بَيْنَ قِيمَتِهَا مُزَوَّجَةً سَلِيمَةً وَمِثْلِهَا مَعِيبَةً، وَهَكَذَا عِبَارَةُ الْقَاضِي حُسَيْنٍ، فَقَوْلُ الرَّافِعِيِّ: ثَيِّبًا حَشْوٌ لَا فَائِدَةَ فِيهِ إنْ كَانَ كَذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُ أَوْ زِيَادَةٌ مُفْسِدَةٌ إنْ اخْتَلَفَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنْ تَعَذَّرَ رَدُّهَا بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ عَلَى قَوْلِنَا: إنَّهُ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ فَالنَّظَرُ فِي الْأَرْشِ يُتَّجَهُ أَنْ يَكُونَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ الْآنَ لَا يَخْتَلِفُ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: مَا بَيْنَ قِيمَتِهَا بِكْرًا مُزَوَّجَةً سَلِيمَةً وَثَيِّبًا مُزَوَّجَةً مَعِيبَةً لِأَنَّ النَّقْصَ الْحَاصِلَ بِالثُّيُوبَةِ رَضِيَ بِهِ، وَصَرَّحَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ بِالْمَسْأَلَةِ، فَقَالَ: إنْ قُلْنَا: مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ يَرْجِعُ بِمَا بَيْنَ كَوْنِهَا بِكْرًا غَيْرَ مُزَوَّجَةٍ وَبِكْرًا مُزَوَّجَةً نَقِيضُهُ.
وَإِنْ قُلْنَا: مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي فَيَرْجِعُ بِمَا بَيْنَ كَوْنِهَا بِكْرًا مُزَوَّجَةً وَغَيْرَ مُزَوَّجَةٍ وَفِي قَوْلِهِ بِكْرًا مُزَوَّجَةً نَقِيضُهُ نَظَرٌ، وَذَكَرَ الْبَغَوِيّ رحمه الله فِي التَّهْذِيبِ نَظِيرَ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ مَا إذَا اشْتَرَى سَارِقًا عَالِمًا بِسَرِقَتِهِ فَقُطِعَ فِي يَدِهِ وَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا قَدِيمًا. قَالَ: لَهُ الرَّدُّ إنْ جَعَلْنَاهُ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ، وَإِلَّا فَيَرْجِعُ بِالْأَرْشِ وَهُوَ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ سَارِقًا غَيْرَ مَقْطُوعٍ مَعِيبًا وَغَيْرَ مَعِيبٍ، فَقَوْلُهُ: غَيْرَ مَقْطُوعٍ نَظِيرُهُ هُنَا أَنْ تَقُولَ بِكْرًا وَهُوَ خِلَافُ مَا وَقَعَ فِي عِبَارَتِهِ وَعِبَارَةِ الرَّافِعِيِّ هُنَا.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ مَا قَالَهُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ الْقَاضِي وَالْبَغَوِيُّ وَالرَّافِعِيُّ رحمهم الله يَقْتَضِي أَنَّ الرِّضَا بِالْعَيْبِ لَا يُبْطِلُ أَثَرَهُ بِالْكُلِّيَّةِ. بَلْ يُسْقِطُ الرَّدَّ بِهِ وَبِمَا هُوَ مِنْ سَبَبِهِ وَيَصِيرُ الْوَاقِعُ بِسَبَبِهِ بَعْدَ الْقَبْضِ كَالْوَاقِعِ قَبْلَ الْقَبْضِ فِي عَدَمِ الْمَبِيعِ مِنْ الرَّدِّ، وَهَذَا إنَّمَا يُتَّجَهُ عَلَى قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ الْقَائِلِ بِأَنَّ الْقَتْلَ بَعْدَ الْقَبْضِ بِالرِّدَّةِ السَّابِقَةِ يُبْطِلُ الْعَقْدَ وَيُوجِبُ الرُّجُوعَ إلَى الثَّمَنِ إنْ صَحَّ جَرَيَانُ هَذَا الْوَجْهِ فِي مَسْأَلَةِ الْقَطْعِ وَشَبَهِهَا، وَقَدْ أَنْكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ كَمَا تَقَدَّمَ. أَمَّا عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ إذَا قُتِلَ بَعْدَ الْقَبْضِ وَكَانَ عَالِمًا بِرِدَّتِهِ لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ، وَكَذَلِكَ فِي الْقَطْعِ وَزَوَالِ الْبَكَارَةِ جَزْمًا كَمَا تَقَدَّمَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْقَطْعُ وَزَوَالُ الْبَكَارَةِ بَعْدَ الْقَبْضِ كَعَيْبٍ جَدِيدٍ مَانِعٍ مِنْ الرَّدِّ بِعَيْبٍ آخَرَ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 النسخة التي نبه الشيخ السبكي على عيبها فيما سبق (المطيعي) .