فهرس الكتاب
ج / 11 ص -228- ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ عِنْدَ أَبِي حَامِدٍ، وَقَدْ يُجَابُ عَنْ هَذَا بِأَنَّ أَبَا حَامِدٍ يَجْعَلُ ثُبُوتَهُ ثَلَاثًا بِالْحَدِيثِ، وَلَا يَجْعَلُهُ لِكَوْنِهِ عَيْبًا بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُثْبِتُهُ مَعَ الْعِلْمِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَكُونُ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الْمَالِ. وَقَدْ يُورِدُ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَيْضًا الْخِيَارَ الَّذِي أَثْبَتَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِحِبَّانَ بْنِ مُنْقِذٍ. فَإِنَّ ذَلِكَ خِيَارٌ ثَابِتٌ بِالشَّرْعِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الْمَالِ، وَهُوَ يَمْتَدُّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِحِبَّانَ بْنِ مُنْقِذٍ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه فِيمَا تَقَدَّمَ. وَيُجَابُ عَنْ كُلٍّ مِنْ هَذَا وَخِيَارِ الْمُصَرَّاةِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَامِدٍ بِأَنَّهُمَا خَارِجَانِ مِنْ مُقْتَضَى الْقِيَاسِ الْمَذْكُورِ بِالنَّصِّ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، فَيَبْقَى فِيمَا سِوَاهُمَا عَلَى مُقْتَضَاهُ.
وَقَدْ يُورِدُ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ قَاسَ فِي بَابِ الشُّفْعَةِ سُقُوطَ الْخِيَارِ بِتَأْخِيرِ الطَّلَبِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ عَلَى الرَّدِّ بِالْعَيْبِ. وَهَهُنَا قَاسَ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ عَلَى الشُّفْعَةِ، وَأَجَابُوا عَنْ هَذَا بِأَنَّ قِيَاسَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ عَلَى الشُّفْعَةِ وُرُودُ الْخَبَرِ فِيهَا، وَقِيَاسُ الشُّفْعَةِ عَلَى الرَّدِّ بِالْعَيْبِ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ تَرَدَّدَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِيهَا بِخِلَافِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، فَإِنَّ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ، وَعَدُّوا ذَلِكَ مِنْ مَحَاسِنِ الْمُهَذَّبِ. وَإِذَا تَأَمَّلْتَ كَلَامَ الْمُصَنَّفِ فِي بَابِ الشُّفْعَةِ حَكَمْتَ بِعَدَمِ صِحَّةِ السُّؤَالِ لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ: إنَّهَا عَلَى الْفَوْرِ عَلَى الْجَدِيدِ، اسْتَدَلَّ لَهُ بِالْحَدِيثِ ثُمَّ قَالَ: فَعَلَى هَذَا إنْ أَخَّرَ الطَّلَبَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ سَقَطَ؛ لِأَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ فَسَقَطَ بِالتَّأْخِيرِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَهَذَا الْكَلَامُ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ، وَإِنَّ سُقُوطَ الْخِيَارِ بِالتَّأْخِيرِ هُوَ الْمَقِيسُ عَلَى الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَهُوَ غَيْرُ كَوْنِهِ عَلَى الْفَوْرِ الثَّابِتِ بِالْحَدِيثِ وَهَهُنَا فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، الْمَقْصُودُ إثْبَاتُ كَوْنِهِ عَلَى الْفَوْرِ بِالْقِيَاسِ عَلَى الشُّفْعَةِ، فَالْمَقِيسُ هُنَاكَ عَلَى الرَّدِّ بِالْعَيْبِ غَيْرُ الْمَقِيسِ هُنَا عَلَى الشُّفْعَةِ، فَلَا سُؤَالَ وَلَا إشْكَالَ وَلَا حَاجَةَ إلَى الْجَوَابِ الْمَذْكُورِ. وَلَكِنْ لَكَ أَنْ تَقُولَ: إنْ كَانَ السُّقُوطُ بِالتَّأْخِيرِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ ظَاهِرِ اللُّزُومِ لِكَوْنِ الْخِيَارِ عَلَى الْفَوْرِ، وَلَا حَاجَةَ فِي الشُّفْعَةِ إلَى قِيَاسِهِ عَلَى الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلَا يَكْفِي الرَّدُّ بِالْعَيْبِ لِثُبُوتِهِ، إنْ ثَبَتَ أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ، بِالْقِيَاسِ عَلَى الشُّفْعَةِ، كَمَا هُوَ مَدْلُولُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا. فَيَحْتَاجُ إلَى الْجَوَابِ الْمَذْكُورِ.
وَقَدْ خَطَرَ لِي فِي الْجَوَابِ عَنْ ذَلِكَ وَالِاعْتِذَارِ عَنْ الْمُصَنِّفِ فِي جَعْلِهِ سُقُوطَ الشُّفْعَةِ بِالتَّأْخِيرِ بَعْدَ تَقْرِيرِ كَوْنِهِ عَلَى الْفَوْرِ مُنْشِئًا عَلَى الرَّدِّ بِالْعَيْبِ مَسْأَلَةٌ غَرِيبَةٌ نَقَلَهَا أَبُو سَعْدٍ الْهَرَوِيُّ عَنْ تَعْلِيقِ الْبَنْدَنِيجِيِّ، أَنَّ الشَّافِعِيَّ رضي الله عنه نَصَّ فِي اخْتِلَافِ الْعِرَاقِيِّينَ عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ أَنَّ الشُّفْعَةَ عَلَى الْفَوْرِ لِلشَّفِيعِ خِيَارُ الْمَجْلِسِ لِأَنَّهُ قَالَ: وَلَوْ عَفَا عَنْ الشُّفْعَةِ ثُمَّ تَرَكَهَا، ثُمَّ بَدَا لَهُ فَأَرَادَ الْمُطَالَبَةَ بِهَا، كَانَ لَهُ مَا دَامَ فِي الْمَجْلِسِ.
قَالَ الْهَرَوِيُّ: وَوَجْهُهُ أَنَّ الْعَفْوَ تَقْرِيرٌ لِمِلْكِ الْمُشْتَرِي لِجِهَةِ الْمُعَارَضَةِ، فَيُعْقَبُ بِخِيَارِ الْمَجْلِسِ كَالشِّرَاءِ وَعَكْسُهُ الْإِبْرَاءُ عَنْ الدَّيْنِ فَإِنَّهُ إسْقَاطٌ مَحْضٌ، وَلَمْ يَتَضَمَّنْ تَقْرِيرَ مِلْكٍ فِي غَيْرِهِ.
قلت: فَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ رحمه الله اطَّلَعَ عَلَى هَذَا النَّصِّ الْقَائِلِ بِأَنَّ الشُّفْعَةَ لَا تَبْطُلُ بِالْعَفْوِ مَا دَامَ فِي الْمَجْلِسِ عَلَى قَوْلِ الْفَوْرِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّأْخِيرَ أَوْلَى بِعَدَمِ الْبُطْلَانِ، فَأَرَادَ أَنْ يَدْفَعَ ذَلِكَ بِالْقِيَاسِ عَلَى الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَهَذَا يَنْبَغِي السُّؤَالُ عَنْهُ، عَلَى أَنِّي نَظَرْتُ بَابَ الشُّفْعَةِ مِنْ اخْتِلَافِ الْعِرَاقِيِّينَ نَظَرَ