فهرس الكتاب
ج / 11 ص -273- وَأَمَّا قَوْلُهُ: إنَّ الْأَصَحَّ وُجُوبُ الْأَرْشِ إذَا لَمْ يَحْصُلْ الرِّضَا فَهُوَ فِيهِ مُوَافِقٌ لِصَاحِبِ التَّهْذِيبِ، وَذَلِكَ مُخَالِفٌ لِمَا صَحَّحَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ، وَالتَّرْجِيحُ بَيْنَ التَّصْحِيحَيْنِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى تَحْقِيقِ الْمَأْخَذِ فِي وُجُوبِ الْأَرْشِ وَهَلْ هُوَ الْيَأْسُ أَوْ لَا؟ وَالْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه وَسَأَذْكُرُهُ عِنْدَ مَا إذَا بَاعَ الْمَبِيعَ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِذَا تَحَقَّقَ ذَلِكَ ظَهَرَ أَنَّ الْأَصَحَّ مَا قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَإِلَّا فَالْأَصَحُّ عَلَى مَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وَالْبَغَوِيُّ.
فرع: إذَا أَوْجَبْنَا الْأَرْشَ لِلْمَمْنُوعِ مِنْ الرَّدِّ، فَهَلْ هُوَ أَرْشُ النِّصْفِ، أَوْ نِصْفُ الْأَرْشِ؟ قَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الِاثْنَيْنِ الثاني: وَهُوَ كَذَلِكَ فَإِنَّ الصَّفْقَةَ وَاحِدَةٌ، وَأَحَدُ الْوَارِثَيْنِ يَسْتَحِقُّ نِصْفَ مَا كَانَ الْمَيِّتُ يَسْتَحِقُّهُ، وَهُوَ مُسْتَحِقٌّ عِنْدَ تَعَذُّرِ الرَّدِّ الْأَرْشَ كَامِلًا فَيَسْتَحِقُّ أَحَدُ وَارِثِيهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الرَّدِّ نِصْفَهُ وَأَمَّا أَحَدُ الْمُوَكِّلَيْنِ فِي الشِّرَاءِ فَمِنْ حَيْثُ كَوْنُ الصَّفْقَةِ وَاحِدَةً اعْتِبَارًا بِالْوَكِيلِ عَلَى الْأَصَحِّ لِنِسْبَةِ مَسْأَلَةِ الِاثْنَيْنِ، وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُمَا لَا يَتَلَقَّيَانِ اسْتِحْقَاقَ الْأَرْشِ مِنْ غَيْرِهِمَا حَتَّى يَنْقَسِمَ بَيْنَهُمَا، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ أَرْشُ نُقْصَانِ مِلْكِهِ وَقَدْ يَكُونُ أَرْشُ النِّصْفِ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ الْأَرْشِ لِأَنَّا نُثْبِتُهُ مِنْ قِيمَةِ النِّصْفِ، وَقِيمَةُ النِّصْفِ أَقَلُّ مِنْ نِصْفِ الْقِيمَةِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَإِنْ وَجَدَ الْعَيْبَ وَقَدْ زَادَ الْمَبِيعُ نَظَرْتُ فَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ لَا تَتَمَيَّزُ كَالسِّمَنِ وَاخْتَارَ الرَّدَّ مَعَ الزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَنْفَرِدُ عَنْ الْأَصْلِ فِي الْمِلْكِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُرَدَّ دُونَهَا".
الشرح: الزِّيَادَةُ الْمُتَّصِلَةُ الَّتِي لَا تَتَمَيَّزُ كَالسِّمَنِ، وَتَعَلُّمِ الْعَبْدِ الْحِرْفَةَ وَالْقُرْآنَ وَكُبْرِ الشَّجَرَةِ، وَكَثْرَةِ أَغْصَانِهَا تَابِعَةٌ، يَرُدُّ الْأَصْلَ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْبَائِعِ بِسَبَبِهَا، وَيُجْبَرُ الْبَائِعُ عَلَى قَبُولِ الْعَيْنِ زَائِدَةً، وَأَوْرَاقُ شَجَرَةِ الْفِرْصَادِ اخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي أَنَّهَا كَالْأَغْصَانِ أَوْ كَالثِّمَارِ، وَأَوْرَاقُ سَائِرِ الْأَشْجَارِ كَالْأَغْصَانِ، قَالَهُمَا الْإِمَامُ رحمه الله وَلَوْ اشْتَرَى غَزْلًا فَنَسَجَهُ، ثُمَّ عَلِمَ بِهِ عَيْبًا. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: حَكَى ابْنُ سُرَيْجٍ فِيهِ قَوْلَيْنِ:
أحدهما: يَتَخَيَّرُ الْمُشْتَرِي بَيْنَ الرَّدِّ وَلَا أُجْرَةَ لَهُ عَنْ النَّسِيجِ وَبَيْنَ الْإِمْسَاكِ وَأَخْذِ الْأَرْشِ، لِأَنَّ النِّسَاجَةَ أَثَرٌ لَا عَيْنٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْبَائِعَ إنْ بَذَلَ الْأُجْرَةَ فَلَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ مَنْسُوجًا، وَإِنْ امْتَنَعَ لَزِمَهُ الْأَرْشُ؛ لِأَنَّ النِّسَاجَةَ زِيَادَةُ عَمَلٍ فِي مُقَابَلَةِ عِوَضٍ، قَالَ الرُّويَانِيُّ: وَهَذَا أَصَحُّ عِنْدِي، وَلَا يَجُوزُ غَيْرُهُ، قَالَ الْمَحَامِلِيُّ: وَفِي هَذَا نَظَرٌ وَأَنَّ خِيَارَ الْبَائِعِ إنَّمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى إمْسَاكِ الْمُشْتَرِي، وَطَلَبِ الْأَرْشِ، فَكَيْفَ يُجْعَلُ قَوْلًا ثَانِيًا؟.
بَلْ يَتَحَرَّرُ الْجَوَابُ فِي الْمَسْأَلَةِ بِأَنَّ نَقُولَ: الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ بَيْنَ الرَّدِّ، وَلَا أُجْرَةَ لَهُ وَبَيْنَ الْإِمْسَاكِ وَأَخْذِ الْأَرْشِ، فَإِنْ اخْتَارَ الْإِمْسَاكَ كَانَ لِلْبَائِعِ دَفْعُ أُجْرَةِ النَّسْجِ وَالرَّدِّ، فَإِنْ اخْتَارَ ذَلِكَ أُجْبِرَ الْمُشْتَرِي، وَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ أُجْبِرَ الْبَائِعُ عَلَى دَفْعِ الْأَرْشِ وَقَالَ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ: لَوْ زَادَ الْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ شَيْئًا