فهرس الكتاب
ج / 1 ص -275- مُسَافِرٍ مِنْ حِينِ أَحْدَثَ فِي الْحَضَرِ، لِأَنَّهُ بَدَأَ بِالْعِبَادَةِ فِي السَّفَرِ فَثَبَتَ لَهُ رُخْصَةُ السَّفَرِ. وَإِنْ سَافَرَ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِ الصَّلَاةِ ثُمَّ مَسَحَ. فَفِيهِ وَجْهَانِ، قَالَ أَبُو إسْحَاقَ: يُتِمُّ مَسْحَ مُقِيمٍ لِأَنَّ خُرُوجَ وَقْتِ الصَّلَاةِ عَنْهُ فِي الْحَضَرِ بِمَنْزِلَةِ دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ فِي وُجُوبِ الْإِتْمَامِ فَكَذَا فِي الْمَسْحِ. وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: يُتِمُّ مَسْحَ مُسَافِرٍ لِأَنَّهُ تَلَبَّسَ بِالْمَسْحِ وَهُوَ مُسَافِرٌ فَهُوَ كَمَا لَوْ سَافَرَ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، وَيُخَالِفُ الصَّلَاةَ لِأَنَّهَا1 تَفُوتُ وَتُقْضَى، فَإِذَا فَاتَتْ فِي الْحَضَرِ ثَبَتَتْ فِي الذِّمَّةِ صَلَاةُ الْحَضَرِ فَلَزِمَهُ قَضَاؤُهَا وَالْمَسْحُ لَا يَفُوتُ وَلَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ فَصَارَ كَالصَّلَاةِ قَبْلَ فَوَاتِ الْوَقْتِ .
الشرح:فِي هَذِهِ الْقِطْعَةِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ إحداها: لَبِسَ الْخُفَّ فِي الْحَضَرِ وَسَافَرَ قَبْلَ الْحَدَثِ فَيَمْسَحُ مَسْحَ مُسَافِرٍ بِ"الإجماع"الثانية: لَبِسَ وَأَحْدَثَ فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِ الصَّلَاةِ فَيَمْسَحُ مَسْحَ مُسَافِرٍ أَيْضًا عِنْدَنَا وَعِنْدَ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ إلَّا مَا حَكَاهُ أَصْحَابُنَا عَنْ الْمُزَنِيِّ أَنَّهُ مَسْحُ مُقِيمٍ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: كَذَا حَكَاهُ الدَّارَكِيُّ عَنْ الْمُزَنِيِّ وَهُوَ غَلَطٌ، بَلْ مَذْهَبُ الْمُزَنِيِّ كَمَذْهَبِنَا مَسْحُ مُسَافِرٍ، فَإِنْ قِيلَ: قَدْ تَلَبَّسَ بِالْمُدَّةِ فِي الْحَضَرِ، قُلْنَا: الْحَضَرُ إنَّمَا يُؤَثِّرُ فِي الْعِبَادَةِ وَهِيَ الْمَسْحُ لَا فِي الْمُدَّةِ.
الثالثة: أَحْدَثَ فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ فَهَلْ يَمْسَحُ مَسْحَ مُسَافِرٍ أَمْ مُقِيمٍ ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا الصَّحِيحُ: مَسْحَ مُسَافِرٍ صَحَّحَهُ جَمِيعُ الْمُصَنِّفِينَ وَقَالَهُ مَعَ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ جُمْهُورُ الْمُتَقَدِّمِينَ.
الرابعة: أَحْدَثَ وَمَسَحَ فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ قَبْلَ تَمَامِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ يُتِمُّ يَوْمًا وَلَيْلَةً مِنْ حِينِ أَحْدَثَ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَإِسْحَاقُ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد فِي رِوَايَةٍ عَنْهُمَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ يُتِمُّ مَسْحَ مُسَافِرٍ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَدَاوُد.
وَاحْتَجَّ الْأَصْحَابُ بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ أَنَّهَا عِبَادَةٌ اجْتَمَعَ فِيهَا الْحَضَرُ وَالسَّفَرُ فَتَغَلَّبَ حُكْمُ الْحَضَرِ كَمَا لَوْ أَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ فِي سَفِينَةٍ فِي الْبَلَدِ فَسَارَتْ وَفَارَقَتْ الْبَلَدَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُتِمُّهَا صَلَاةَ حَضَرٍ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَهَذَا الْقِيَاسُ اعْتَمَدَهُ أَصْحَابُنَا فِيهِ سُؤَالٌ ظَاهِرٌ، فَيُقَالُ: كَيْفَ صُورَةُ مسألة:الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ إنْ أَحْرَمَ بِنِيَّةِ الْقَصْرِ لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَنَا صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا إلَّا إمَامَ الْحَرَمَيْنِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ فِي بَابِ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ احْتِمَالَيْنِ، وَالْمَذْهَبُ الْبُطْلَانُ، وَإِنْ أَحْرَمَ بِالظُّهْرِ مُطْلَقًا أَوْ بِنِيَّةِ الْإِتْمَامِ فَالْإِتْمَامُ وَاجِبٌ لَكِنْ لَيْسَ سَبَبُهُ اجْتِمَاعَ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، بَلْ سَبَبُهُ فَقْدُ شَرْطِ الْقَصْرِ وَهُوَ نِيَّةُ الْقَصْرِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ بِالصَّلَاةِ، وَهَذَا سُؤَالٌ حَسَنٌ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ صُورَتَهُ أَنْ يُحْرِمَ بِالصَّلَاةِ مُطْلَقًا وَتَحْصُلُ بِهِ الدَّلَالَةُ مِنْ وَجْهَيْنِ أحدهما: أَنَّ الْحُكْمَ وَهُوَ إتْمَامُ الصَّلَاةِ مُعَلَّلٌ بِعِلَّتَيْنِ إحْدَاهُمَا: اجْتِمَاعُ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ والثانية فَقْدُ نِيَّةِ الْقَصْرِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ مُرَادَ الْأَصْحَابِ إلْزَامُ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه فَإِنَّهُ وَافَقَنَا عَلَى وُجُوبِ الْإِتْمَامِ فِي هَذِهِ الْمسألة:وَمَذْهَبُهُ أَنَّ الْقَصْرَ عَزِيمَةٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ فَلَيْسَ لِوُجُوبِ الْإِتْمَامِ عِنْدَهُ سَبَبٌ إلَّا اجْتِمَاعَ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَأَوْجَبَ الْإِتْمَامَ تَغْلِيبًا لِلْحَضَرِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمَسْحُ مَسْحَ مُقِيمٍ تَغْلِيبًا لِلْحَضَرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في نسخة الركبي (لأن الصلاة تفوت وتقضي ) (ط)